قصة امرأة تعرضت لاعتداء جنسي في العصور الوسطى وأسرار معركتها القانونية طلباً للعدالة

لوحة من القرن الخامس عشر تصور العدالة كشخصية متوجة
    • Author, لوري كلارك
    • Role, بي بي سي
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

يطرح كتاب جديد سرداً استثنائياً لمعركة قانونية خاضتها امرأة عقب تعرضها لاعتداء جنسي وحشي عام 1472 في مدينة ديجون الفرنسية، وتدحض تفاصيل هذه القضية الافتراضات الحديثة الشائعة بشأن حياة النساء في العصور الوسطى.

كانت جيان امرأة وافدة لا يعرفها كثيرون في مدينة ديجون خلال شتاء عام 1472، وتعرضت لحادث عنف جنسي مروع، وكانت حاملاً في مرحلة قبل الولادة في ذلك الوقت، أما تفاصيل ما حدث بعد ذلك فهي ما تتبّعته المؤرخة سارة ماكدوغال في كتابها الجديد الذي يحمل عنوان "العدالة لجيان"، وتقدم من خلاله صورة مفاجئة عن نظام العدالة في فترة العصور الوسطى، والتي من شأنها أن تقوّض التصورات السائدة عن تلك الحقبة.

تحذير: يحتوي المقال على تفاصيل مؤلمة تتعلق باعتداء جنسي.

استناداً إلى سجلات التحقيق في الاعتداء، يتخذ الكتاب شكل قصة بوليسية تاريخية تدور أحداثها في العصور الوسطى، وتستكشف سؤالين أساسيين: ما الذي حدث بالفعل في تلك الليلة؟ ومن كانت المرأة التي تمحورت حولها القضية؟

من هي جيان؟

وُلدت جيان في إقليم اللورين، شمال شرقي فرنسا، لعائلة فقيرة، وانتقلت جنوباً إلى مدينة ديجون، وفي تلك الفترة، كانت هوية الشخص أمراً ملتبساً يصعب تحديده بدقة، ففي عام 1472، ذكرت للمحقق أن عمرها "نحو 32 عاماً"، ولم تكن الولادات تُسجّل، لذا لم يكن في وسع أحد أن يعرف عمرها على وجه اليقين، وأفادت بأنها متزوجة، ووصفت نفسها بأنها "زوجة جيان من ريلانج".

كانت الملابس في تلك الفترة تحدد طريقة التعامل مع الشخص، وكانت ملابس جيان تفرض على الناس معاملتها بقدر من الاحترام، وبحسب شهادات الشهود، كانت ملابسها تتسم بالأناقة، وكان غطاء الرأس الطويل الذي اعتادت ارتداءه عند خروجها إلى الأماكن العامة، وينسدل بعناية فوق خصلات شعرها الذهبي، يشير إلى مكانتها بوصفها امرأة متزوجة تحظى بالاحترام.

عصر الحكم بالإرهاب

كانت مدينة ديجون تمر في ذلك الوقت بمرحلة اتسمت بالعنف والخراب الذي خلفته الحرب، بعد أن احتدم القتال بين شارل الجريء، دوق بورغونيا، وملك فرنسا لويس الحادي عشر، فيما كانت المدينة تواجه خطراً وشيكاً بالاجتياح، مع تقدم الملك داخل أراضي بورغونيا.

ولحماية ديجون، استطاع الدوق نشر قوات من المرتزقة حول أسوار المدينة، بيد أن هؤلاء الرجال الذين اتسموا بالوحشية وانعدام القانون فرضوا على سكان المدينة بدورهم حكماً قائماً على الإرهاب.

وتقول ماكدوغال لبي بي سي: "كانت هناك حوادث متكررة لرجال يتجولون ليلاً بحثاً عن ضحايا محتملين لابتزازهم، أو الاعتداء عليهم أو احتجازهم للمطالبة بفدية أو اختطافهم، ولم تكن سلطات المدينة راضية عن هذه الممارسات، إذ شكلت نقطة خلاف رئيسية بين المدينة والدوق".

الجريمة

في مساء يوم الثالث من يناير/كانون الثاني عام 1472، سمعت جيان وامرأة كانت تستضيفها دويّ ارتطام شديد على الباب، وإذ بهما أمام رجلين من سكان المدينة، طالبا المرأتين بمرافقتهما، وعندما رفضتا، هرع أحد الرجلين إلى نُزل قريب لإحضار مجموعة من مرتزقة الدوق.

ووفقاً لإفادة جيان في التحقيقات، جرّها الرجال إلى حقل مجاور واعتدوا عليها، وقالوا إن حملها لا يعني لهم شيئاً، إذ بلغهم أن والد الطفل، الذي لم يولد بعد، هو كاهن، ما يعني، بحسب اعتقادهم، أن الطفل من علاقة خارج إطار الزواج.

وأفادت جيان بأن الرجال حاولوا ممارسة "علاقة جسدية" معها، بينما كانت تقاومهم بعنف فوق الثلج، وفي نهاية المطاف، حالت مرحلتها المتقدمة من الحمل ومقاومتها الشديدة لهم دون إتمام اعتدائهم عليها، كما ذكرت أنها تعرضت للضرب وأُلقيت على بطنها، وأنها كانت تعيش حالة من الرعب على سلامة جنينها.

لوحة تجسد الملك شارل، دوق بورغونيا، يجلس على عرش وإلى جانبه شخصان وأمام مجموعة من الناس، والجزء السفلي من اللوحة عبارة عن زخارف لأزهار وطيور وأغصان شجر مع وجود سيدة في منتصف هذا الجزء يعزف علة آلة العود وإلى اليمن يوجد شخص يعزف على آلة نفخ
التعليق على الصورة، بلاط شارل الجريء، دوق بورغونيا، الذي كان في تلك اللحظة من التاريخ قد نشر مرتزقة خارجين عن القانون حول أسوار ديجون
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

أما ما حدث لاحقاً، فيبدو مفاجئاً في ضوء التصورات المعاصرة عن تاريخ العصور الوسطى، إذ يسود اعتقاد شائع بأن جرائم الاغتصاب والاعتداء الجنسي كانتا بمثابة وصمة عار كبيرة، تجعل المجتمعات تنبذ النساء الناجيات من تلك الاعتداءات بصورة متكررة، قبل أن يجدن أنفسهن مضطرات في النهاية إلى العمل في البغاء، ويمكن تتبّع جذور هذا التصور من خلال كتاب شهير بعنوان "الدعارة في العصور الوسطى"، من تأليف جاك روسيو، والذي صدر للمرة الأولى عام 1988، ثم جرى تنقيحه عام 2010.

وسعت ماكدوغال، أستاذة التاريخ في كلية جون جاي للعدالة الجنائية في نيويورك، إلى التحقق من صحة رواية روسيو، مستعينة بإشارة عابرة أوردها الكاتب عن امرأة حامل، مجهولة الاسم، تعرضت لاعتداء جنسي على يد مرتزقة في ديجون، وكتب روسيو أن المرأة كانت في البداية شديدة الخجل من أن تروي محنتها للسلطات، وزعم أيضاً أن كثيراً من الناجيات من الاعتداءات الجنسية، مثلها، انتهى بهن المطاف في بيوت الدعارة.

وتبدو هذه المرأة شبيهة جداً بجيان، بيد أن ماكدوغال، عندما بدأت دراستها للقضية، المؤلفة في سبعين صفحة من الرقوق المكتظة بالكتابات، والمحفوظة في أرشيف مدينة ديجون، اكتشفت رواية مختلفة تماماً.

تحقيق مفصّل

دوّن المحقق جاك بورستيل تفاصيل شهادة جيان، وكان يعمل بتكليف من سلطات المدينة.

فعندما تلقّى أنباء تفيد بأن جماعة مرتزقة اختطفوا امرأة حاملاً واعتدوا عليها، بادر بورستيل فوراً إلى جمع المعلومات المتعلقة بالضحية والأشخاص المشتبه في تورطهم في الاعتداء.

وأجرى أول مقابلة مع جيان في اليوم التالي للحادثة، فوجدها مستلقية في فراشها، وقد أنهكها ما تعرّضت له، فيما كان القلق يساورها على سلامة جنينها، وقد زوّدته بسهولة بتفاصيل الاعتداء، وبكل ما استطاعت تذكره من معلومات عن الجناة، وفي اليوم التالي، وضعت جيان طفلتها.

لم يكن قرار جيان الإفصاح عن قصتها أمراً مألوفاً تماماً، إذ كانت هناك عوامل عديدة من شأنها أن تثنيها عن الإدلاء بشهادتها بهذه الصراحة.

فلم يكن سجل المدينة في مجال العدالة الجنائية حافلاً بما يدعو إلى الفخر، وكانت عقوبة الاختطاف والاعتداء، من الناحية القانونية، هي الإعدام، بيد أن معظم الجرائم لم تكن تُلاحَق قضائياً، باختصار، لم يكن لدى جيان ما يدعوها إلى الاعتقاد بأنها ستجني فائدة تُذكر من تقديم شكواها.

وبفضل المعلومات التي أدلت بها جيان، استطاع بورستيل القبض على معظم الجناة في وقت قصير.

وبعد استجوابهم، أنكر الرجال الاعتداء على جيان، لذا رتّب بورستيل مواجهة بين جيان والجناة، واجهتهم خلالها وأعادت رواية ما حدث، وعندما أصروا على الإنكار ورفضوا الاعتراف، وافق مسؤولو البلدية على اللجوء إلى تدابير "استثنائية"، وتعرّض أحد الرجال للتعذيب باستخدام أسلوب يشبه الإيهام بالغرق، إلى أن اعترفوا جميعاً في النهاية.

وبعد الحصول على الاعترافات، قررت سلطات المدينة أن العقوبة المناسبة هي الإعدام، بيد أن المشكلة كانت أن هؤلاء الرجال، بصفتهم مرتزقة، كانوا يخضعون من الناحية القانونية لسلطة الدوق، وكان الدوق قد أصدر مؤخراً بياناً أدان فيه سلوك المرتزقة، مؤكداً رغبته في أن يشعر سكان ديجون بالأمان، وها هو الآن أمام فرصة لمعاقبة مرتكبي المخالفات علناً، فهل سيغتنمها؟

التحقيق في أهلية المدّعية

بعد وقت قصير، تلقّى مسؤولو البلدية إخطاراً من سلطات الدوق توصي فيه بالإفراج عن الرجال، بيد أن البلدية عارضت هذا القرار، وسعت إلى كسب مزيد من الوقت، وخلال هذه الفترة، قررت إجراء تحقيق جديد، انصبّ هذه المرة على جيان نفسها، ولم يكن الهدف إخضاعها للمحاكمة، بل التحقق من أهليتها القانونية والأخلاقية بصفتها مقدمة الشكوى.

وكما كتب بورستيل بعبارات صريحة لا تحتمل اللبس، إنه سيحقق لمعرفة إذا كانت "امرأة محترمة متزوجة" (preudefemme) أم "امرأة سيئة السمعة".

وأجرى بورستيل مقابلات مع الجيران وغيرهم ممن يُحتمل أن تكون لديهم معلومات عن جيان، وأفاد كثيرون بأنها بدت امرأة محترمة، ولم ينتقدها أحد أو يحملها مسؤولية تعرضها للاعتداء، بيد أن تفاصيل جديدة، تناقض الرواية التي سبق أن أدلت بها جيان لبورستيل، بدأت تظهر سريعاً.

ذكر أحد الجيران أن جيان أنجبت طفلاً آخر قبل ذلك بعامين في دير قريب، وكان يُعتقد أن والده كاهن كانت تترد عليه في ذلك الوقت، وبدا أن جيان لم تكن قد التقت زوجها منذ عدة سنوات.

التقى بورستيل جيان مجدداً لمواجهتها بالأدلة الجديدة التي ظهرت، ومنذ لقائهما الأخير، كانت قد تلقت تهديدات من أنصار المرتزقة والمدافعين عنهم، وعلى الرغم من خطر الانتقام الذي كان يلوح في الأفق، ساعدها جيران ومعارف في العثور على أماكن تلجأ إليها للاختباء، وانتهى بها المطاف إلى أحد المستشفيات، حيث كانت تعمل.

وأقرت جيان لبورستيل بأنها أدلت ببعض الأقوال الكاذبة في السابق، واعترفت بأن زوجها هجرها قبل عدة سنوات لينضم إلى صفوف المقاتلين في الحرب، وبعد ذلك، التقت كاهناً وأصبحت عشيقته، وأنجبت منه طفلين.

فهل يجعلها ذلك "امرأة سيئة السمعة"؟ في خلاصة أقوالها، التي دوّنها بورستيل: "كان من الأفضل العيش من خلال إتاحة الجسد، بدلاً من اللجوء إلى سرقة الناس".

رؤية جديدة

لوحة من القرن الخامس عشر تصور العدالة كشخصية متوجة
التعليق على الصورة، لوحة من القرن الخامس عشر تصور العدالة كشخصية متوجة، قضية جيان تقلب المفاهيم السائدة حول كيفية تعامل مجتمع العصور الوسطى مع ضحايا الاعتداء الجنسي

كان ذلك يتوافق مع تعقيدات الأخلاق الجنسية في تلك الفترة، فالعلاقات الجنسية قبل الزواج كانت تعد محرّمة من حيث المبدأ، لكنها مقبولة على نطاق واسع في الواقع العملي، وكان يُفترض التزام الكهنة بنذر العزوبية، بيد أنهم كانوا يتخذون عشيقات وينجبون منهن أطفالاً غير شرعيين، أما الدعارة، فكانت خطيئة أخلاقية جسيمة وفقاً للمبادئ المعلنة، لكنها تحظى بقدر واسع من التسامح في الواقع.

ولم تكن جيان على الصورة التي ادّعت أنها عليها، فلم تكن الزوجة الوقورة التي قدمت نفسها بها في البداية، فقد تبيّن أنها كانت، في واقع الأمر، "تعيش في الخطيئة"، بيد أن اللافت هو أن ذلك لم يكن ذا أهمية.

فقد قرر المحققون مواصلة قضيتها، حتى بعد الاطلاع على أحدث الأدلة التي قدمها بورستيل، واتضح أن إنجابها أطفالاً غير شرعيين من أحد الكهنة لم يكن عاملاً مؤثراً في القضية، إذ كان المسؤولون يريدون إعدام أولئك المرتزقة.

بيد أن مشكلة أخرى ظهرت في الأفق، إذ لم يعد المرتزقة محتجزين في السجن.

كانت سلطات الدوق قد زعمت أن الرجال ينتمون إلى طبقة رجال الدين، ومن ثم فإنهم لا يخضعون إلا للقوانين الكنسية، وعلى الرغم من عبثية هذا الادعاء، لأن رجال الدين كانوا ممنوعين من حمل السلاح، فإن سلطات المدينة لم تكن تملك حرية التصرف في الأمر، وبعد شهرين قضوهما في السجن، خرج الرجال أحراراً.

ومن الصعب جداً تتبّع ما حدث لجيان بعد ذلك، فهل اتجهت إلى ممارسة الدعارة؟ هذا احتمال قائم، إذ تشير السجلات إلى وجود نساء أخريات يحملن اسم جيان في ديجون خلال تلك الفترة، ومارسن الدعارة بالفعل، بيد أن الوثائق مجتزأة إلى حد لا يتيح استخلاص نتيجة مؤكدة.

ومهما تكن النهاية التي انتهت إليها قصة جيان، فقد اغتنمت المؤرخة ماكدوغال فرصة التعرّف على ذلك الجزء الضئيل من حياة جيان هذه تحديداً، والذي بقي محفوظاً في حزمة من الوثائق القضائية التي يعود تاريخها إلى ستة قرون.

وتقول: "أكنّ لها إعجاباً كبيراً، لقد أدهشتني بشدة الطرق التي واصلت بها الدفاع عن نفسها"، وعلى الرغم من الظروف القاسية التي عاشتها، "فقد كانت ترى أن لها إرادة وقدرة على الاختيار".

والأهم من ذلك أن قصة جيان تتحدى التصورات السابقة عن العصور الوسطى، وتقول ماكدوغال: "لم يكن هذا المجتمع في العصور الوسطى، بحسب ما رصدته في المصادر، يمارس اللوم على الضحايا أو التشهير بهم".

وتضيف: "كان بإمكان النساء توجيه الاتهامات، ولم يكن مطلوباً منهن أن يمتلكن ذاكرة دقيقة تماماً لكل التفاصيل، أو أن يكنّ عذراوات"، وحتى بعد أن تقدمت جيان بشكواها، بادر جيرانها إلى الالتفاف حولها ومساعدتها.

بدون شك كانت الحياة شاقة وقاسية على النساء في العصور الوسطى، وأن بعض الناجيات تعرضن لمعاملة سيئة، لكن جيان هذه استطاعت الإبلاغ عن جريمة، واستمعت آذان صاغية لشكواها بجدية، ووجدت من يساندها خلال محنتها، وتحقيق قدر محدود من العدالة، ومهما يكن ما فعلته لاحقاً، فقد كان في وسعها، على الأقل، أن تحمل معها هذا الأثر من تجربتها.