بي بي سي تكشف عن مئات التحقيقات التي أجراها الجيش الإسرائيلي في عمليات قتل دون الإعلان عن النتائج

صورة مركبة تضم جنوداً إسرائيليين، وطفلاً يقف داخل مبنى في غزة بعد أن انتُزع جداره الخارجي، وبقايا سيارة وسط الدخان والأنقاض، مع طغيان درجات اللون الأزرق على الصورة، وظهور شعار "بي بي سي فيريفاي" (BBC Verify)- بي بي سي لتقصي الحقائق في أعلاها.
    • Author, ميرلين توماس
    • Role, مراسل بي بي سي لتقصي الحقائق
    • Author, مريم أحمد
  • Published
  • مدة القراءة: 12 دقائق

رصدت وحدة "بي بي سي لتقصي الحقائق" (BBC Verify)، 254 واقعة اتُهم فيها الجيش الإسرائيلي بقتل أو إصابة أشخاص في غزة ولبنان والضفة الغربية المحتلة وإسرائيل، وهي وقائع ذكر الجيش أنه يحقق فيها، لكن لم تُعلن نتائج هذه التحقيقات للجمهور حتى الآن.

واستخدمت بي بي سي لتقصي الحقائق أدوات ذكاء اصطناعي، طُورت خصيصاً لهذا الغرض، في مسح أكثر من 60 ألف تقرير إخباري، وفحصت مئات الوقائع التي وُجهت فيها اتهامات للجيش الإسرائيلي بالتسبب في أضرار، منذ اندلاع الحرب في غزة. وبعد تدقيق يدوي شامل لكل واقعة، تبيّن وجود 300 حالة أعلن الجيش الإسرائيلي أنه ينظر فيها، لكن في النهاية نُشرت نتائج التحقيق في 28 حالة فقط على الموقع الإلكتروني للجيش الإسرائيلي.

كما أن هناك 18 واقعة أخرى إضافية، لم يتضح وضع التحقيقات فيها وما إذا كانت قد انتهت أم لا.

وتواصلت وحدة "بي بي سي لتقصي الحقائق" مع الجيش الإسرائيلي عدة مرات لمعرفة وضع كل حالة بشكل منفصل، لكنها لم تتلقَّ معلومات سوى عن واقعتين، وذكر الجيش أنهما لا تزالان قيد المراجعة.

وقال الجيش الإسرائيلي في بيان له: "يتعامل الجيش بمنتهى الجدية مع أي ادعاء أو تقرير يثير مخاوف بشأن سلوك قد لا يتوافق مع القانون أو مع توجيهات الجيش".

وتجدر الإشارة إلى أن اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي تعمل في مناطق الحروب لضمان الالتزام باتفاقيات جنيف، تنشر توجيهات تنص على ضرورة مراعاة أكبر قدر من الشفافية في التحقيقات التي تجري في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني، سواء كانت اتهامات جنائية أو غير ذلك.

ومن بين 254 واقعة رصدتها بي بي سي لتقصي الحقائق، كان هناك 158 واقعة في غزة، و48 في الضفة الغربية، و32 في لبنان، بينما حدثت 16 واقعة أخرى داخل إسرائيل أو أثناء احتجاز أشخاص لدى الجيش الإسرائيلي.

وقد حدثت جميع هذه الوقائع في الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و19 أغسطس/آب 2024، وقُتل شخص واحد على الأقل في أكثر من 200 منها.

وتعود بعض الوقائع التي لم تُعلن نتائج تحقيقاتها حتى الآن إلى أواخر عام 2023. ومن بين أكثر هذه الحالات دموية، حادثة استهداف مبنى مدرسة في غزة في أغسطس /آب 2024، حيث أُفيد بمقتل ما لا يقل عن 93 شخصاً، بينهم ست نساء و11 طفلاً.

واعتاد الجيش الإسرائيلي عند مواجهته باتهامات بالتسبب في أضرار طوال الثلاث سنوات الماضية، على الرد بالقول إن الواقعة قيد التحقيق بأساليب مختلفة؛ فكان يرد مرة بأنها "محل نظر" أو "تتم مراجعتها" ومرة أخرى بأنه "يجري فحصها" أو "تدقيقها". وغالباً ما يصمت بعدها ويتوقف عن الرد على أية أسئلة حول تلك الحالات.

وقد أُحيل عدد من هذه الوقائع إلى تحقيق جنائي من جانب الجيش الإسرائيلي. ومن بين الحالات التي خضعت لتدقيق عام مكثف، تلك المتعلقة بمقتل الطفلة هند رجب، التي لم يتجاوز عمرها 5 سنوات، إلى جانب مقتل 15 من طواقم الإسعاف التابعة لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني، وتعرضوا لهجوم عنيف بأكثر من 100 رصاصة، وهناك اتهامات بأنهم قتلوا من مسافة قريبة.

كيف يحقق الجيش الإسرائيلي في الوقائع؟

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

لا يعلن الجيش الإسرائيلي عادةً عن نتائج التحقيقات العسكرية التي يُجريها، حتى تلك التي تؤدي إلى فتح تحقيقات جنائية ضد جنوده.

ومع هذا نُشرت نتائج بعض التحقيقات المتعلقة برهائن في قطاع غزة، يُزعم أنهم قُتلوا نتيجة للعمليات العسكرية الإسرائيلية. لكن في بعض الحالات، لم يعلن الجيش عن إجرائه تحقيقاً في واقعة معينة إلا بعد تواصل جهات إعلامية معه وسؤاله عن تلك الواقعة، مثلما فعلت بي بي سي لتقصي الحقائق.

وفي شهر أغسطس/آب الماضي، أصدر الجيش الإسرائيلي تقريراً نادراً يتضمن تفاصيل حول تحقيقات داخلية في خمس وقائع حدثت في غزة، من بينها حالتي مقتل الطفلة هند رجب و15 من طواقم الإسعاف والطوارئ الفلسطينيين؛ حيث كشف الجيش أنه تم تحويل هذه الوقائع إلى تحقيقات جنائية.

أما في الحالات الثلاث الأخرى، ومن بينها حالتي مقتل سبعة من عمال الإغاثة التابعين لمنظمة "المطبخ المركزي العالمي" في غارة جوية، وكذلك مقتل أربعة من العاملين في منظمة "أطباء بلا حدود"، في هجومين منفصلين في غزة، فقد ذكر الجيش الإسرائيلي أنه لم يجد أساساً أو اشتباهاً معقولاً يستدعي فتح تحقيق جنائي.

كما أشار التقرير إلى أن "آلية تقصي الحقائق والتقييم" التابعة لهيئة الأركان العامة الإسرائيلية، هي المسؤولة عن التحقيقات في "الحوادث العملياتية الاستثنائية" وقد أنهت بالفعل مراجعة نحو 150 حالة منذ بدء الحرب.

ووفقاً للتقرير الإسرائيلي، فقد أُحيلت هذه الحالات إلى النيابة العسكرية التابعة للجيش الإسرائيلي لفحصها. ولم يوضح الجيش طبيعة هذه الحالات الـ 150، حتى عند الاستفسار منه عن طبيعتها لم يبين ما إذا كانت هذه الحالات منفصلة عن تلك التي رصدتها بي بي سي لتقصي الحقائق أم أنها من بينها.

ورغم تلقيه طلبات متكررة، لم يقدم الجيش الإسرائيلي تفاصيل شفافة حول وضع التحقيقات في 300 حالة حددتها بي بي سي لتقصي الحقائق.

وذكر الجيش الإسرائيلي في بيان له، أنه "ينشر معلومات حول نتائج التحقيقات والمراجعات كلما أمكن ذلك، مع مراعاة الاعتبارات القانونية والعملياتية، بالإضافة إلى القيود المتعلقة بالخصوصية وأمن المعلومات".

وأضاف الجيش أن بعض الوقائع تخضع لمراجعات عملياتية على مستوى القيادة، وتهدف إلى "تحديد تسلسل الأحداث، وكشف الإخفاقات، واستخلاص الدروس بهدف تحسين الأداء العملياتي واتخاذ أي إجراءات قيادية ضرورية".

كما ذكر الجيش الإسرائيلي أنه اتخذ، خلال الحرب، إجراءات تأديبية في عشرات الحالات ضد جنود لم يلتزموا بالمعايير المتوقعة منهم وتصرفوا بما يخالف توجيهات الجيش؛ وشملت هذه الإجراءات إبعادهم عن المواقع القتالية وعن الخدمة في قوات الاحتياط.

وأظهرت بيانات حصلت عليها منظمة ييش دين، وهي منظمة حقوقية إسرائيلية، أنه بموجب قانون حرية المعلومات وخلال الفترة ما بين أكتوبر/تشرين الأول 2023 وأغسطس/آب 2024، أُحيلت حوالي 1456 واقعة من قطاع غزة إلى آلية تقصي الحقائق التابعة لهيئة الأركان العامة الإسرائيلية.

وبالفعل تم إنجاز 12 من هذه المراجعات وأُحيلت إلى هيئة المدعي العام العسكري، وتم بالفعل فتح تحقيقات جنائية في اثنتان منها.

وقال دان أوين، الباحث في منظمة ييش دين، التي تراقب التحقيقات العسكرية منذ عام 2006، إنه يعتقد أن الجيش الإسرائيلي يسعى غالباً إلى "إطالة أمد" التحقيقات.

وأضاف في تصريح لبي بي سي لتقصي الحقائق: "إنهم يحاولون تمديد عمليات التحقيق هذه إلى الحد الذي يجعل الناس ينسونها أو يفقدون الاهتمام بها".

من جانبها، أوضحت جانينا ديل، أستاذة القانون الدولي بجامعة أكسفورد، أنه وفقاً لاتفاقيات جنيف، في حال وجود نزاع بين طرفين يقع على عاتق كل طرف في النزاع مسؤولية "التحقيق مع أفراده، وربما مقاضاتهم".

وأضافت: "هذه هي القاعدة الأساسية الواضحة تماماً. كما يوجد دليل مبادئ توجيهية للتحقيقات، يحظى بدعم اللجنة الدولية للصليب الأحمر وهي تتمتع ببعض السلطة، وتشدد هذه المبادئ على ضرورة إجراء التحقيقات بسرعة ودقة وحيادية".

لكن عيران شامير-بورير، مدير مركز الأمن والديمقراطية في "المعهد الإسرائيلي للديمقراطية" والمسؤول القانوني السابق رفيع المستوى في الجيش الإسرائيلي، يرى أن هناك "تحديات حقيقية" تواجه التحقيق في الادعاءات خلال النزاعات التي تشارك فيها إسرائيل، "نظراً لتعقيد البيئات القتالية".

وقال: "في منطقة معادية، لا تخضع دائماً لسيطرتك، قد يكون جمع الأدلة صعباً جداً؛ خاصة مع وجود قوات كثيرة على الأرض، ويقوم العديد منها بإطلاق النار".

وأضاف شامير-بورير: "فكرة التحقيق مع الجنود أثناء خوض الحرب لا تحظى بالقبول"، مشيراً إلى أن هذا الأمر يحدث أيضاً في دول أخرى تحترم سيادة القانون.

موضحاً أن إسرائيل سوف تحقق فوائد إذا ما انتهجت المزيد من الشفافية فيما يتعلق بتحقيقاتها، وأنه يشجع الجيش الإسرائيلي على أن يكون "أكثر انفتاحاً فيما يتعلق بالمعلومات التي يشاركها مع الجمهور حول التقدم الذي يتم فعلاً في التحقيق في مزاعم مختلفة".

غزة

منذ الهجمات التي نفذتها حركة حماس في إسرائيل في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، والتي أسفرت عن مقتل نحو 1200 شخص واحتجاز 251 آخرين كرهائن، شنّ الجيش الإسرائيلي عمليات عسكرية واسعة النطاق في قطاع غزة، معلناً أن هدفها استعادة الرهائن والقضاء على حركة حماس.

وقتل أكثر من 74 ألف فلسطيني وأصيب عشرات الآلاف بالهجمات الإسرائيلية منذ اندلاع الحرب، بحسب بيانات من وزارة الصحة في غزة.

وقد وثّقت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق مقتل عاملين في فرق الطوارئ وأشخاص كانوا يحاولون الوصول إلى المساعدات الإنسانية داخل قطاع غزة، بالإضافة إلى تدمير آلاف المباني في القطاع، ورصدت حوادث تتعلق بسوء سلوك مزعوم من جانب جنود إسرائيليين على مدى السنوات الثلاث الماضية.

وفي ديسمبر/كانون الأول 2023، وبعد شهرين فقط من بدء الحرب، قتلت القوات الإسرائيلية امرأتين داخل الكنيسة الكاثوليكية الوحيدة في القطاع، وهي الواقعة التي أعلن الجيش الإسرائيلي لاحقاً أنها قيد المراجعة.

وبحسب البطريركية اللاتينية في القدس، فقد قُتلت أمٌ تُدعى ناهدة خليل بولس أنطون وابنتها سمر كمال أنطون، بنيران قناصة داخل حرم كنيسة العائلة المقدسة في غزة.

تجلس ناهدة وسمر أنطون مبتسمتين بجانب بعضهما أمام حاجز. ترتدي كلتاهما قميصاً أسود ذات نقاط بيضاء صغيرة، بينما تضع سمر سلسلة ذهبية تتدلى منها قلادة ذهبية.
التعليق على الصورة، قُتلت ناهدة وابنتها سمر أنطون على يد القوات الإسرائيلية في غزة في ديسمبر/كانون الأول 2023

وقت حدوث الواقعة تواصل فريق بي بي سي لتقصي الحقائق مع الجيش الإسرائيلي بشأن هذا التقرير، وأفاد الجيش بأن مراجعة أولية أشارت إلى أن قواته كانت تعمل ضد تهديد من حركة حماس، تم رصده "في محيط الكنيسة". وأضاف الجيش الإسرائيلي أنه "يجري مراجعة شاملة للحادثة".

وفي سبتمبر/أيلول 2025، طلب فريق بي بي سي لتقصي الحقائق من الجيش الإسرائيلي معرفة آخر المستجدات حول هذه المراجعة، فجاء الرد بأن الحادثة "لا تزال قيد المراجعة من جانب آلية تقصي الحقائق التابعة لهيئة الأركان".

وحتى الآن وبعد مرور نحو ثلاث سنوات على مقتل ناهدة وسمر، عاد الجيش الإسرائيلي ليؤكد مجدداً أن الحادثة لا تزال قيد المراجعة.

ورداً على أخر طلب للحصول على معلومات عن حقيقة ما جرى في الكنيسة، ذكر الجيش الإسرائيلي: "قد تتطلب الحوادث المعقدة وقتاً طويلاً لجمع المعلومات الواقعية ذات الصلة بالحادث، ومطابقتها، والتحقق منها".

وأضاف: "الجيش الإسرائيلي لا يقوم باختصار أو إلغاء أياً من إجراءات الفحص أو التحقيق من أجل الالتزام بجداول زمنية خارجية".

هجمات قاتلة على المدارس

يسير صبي يرتدي قميصاً أحمر وسط أكوام من الأنقاض وأسلاك متناثرة داخل مبنى مدرسة. وهو يمشي أمام جدار يحمل لوحة جدارية زرقاء.
التعليق على الصورة، فلسطينيون يتفقدون الدمار عقب الهجوم الإسرائيلي على مبنى مدرسة "التابعين" في أغسطس/آب 2024

أما إحدى أكثر الحوادث دموية، والتي لا تزال قيد التحقيق من جانب الجيش الإسرائيلي، استهداف مبنى مدرسة "التابعين" في شرق مدينة غزة بغارة جوية في أغسطس/آب 2024.

وأدت الغارة إلى مقتل 93 شخصاً، بينهم ست نساء و11 طفلاً، بعد ضرب المدرسة ومسجداً مجاوراً، بحسب بيانات الدفاع المدني في غزة، الذي تديره حركة حماس.

وكانت المباني تؤوي فلسطينيين نازحين عندما تعرضت المنطقة لعدة غارات إسرائيلية تزامنت مع وقت صلاة الفجر. وأظهرت مقاطع فيديو تحققت منها بي بي سي، وجود سحابة من الغبار في المنطقة، بينما كان عناصر فرق الطوارئ يشقون طريقهم وسط حرائق صغيرة، وركام، وأشلاء بشرية متناثرة على الأرض.

كما كشفت صور ملتقطة نهاراً عن أن الأرضيات كانت ملطخة بالدماء، كما ظهر حطام في كل مكان، وملابس مواطنين متناثرة في المكان.

وأفاد خبراء لوحدة بي بي سي لتقصي الحقائق، بأن بقايا الذخائر التي ظهرت في الموقع واستُخدمت في الغارة تتطابق مع قنبلة من طراز "جي بي يو-39"؛ وهي قنبلة دقيقة التوجيه من إنتاج الولايات المتحدة وقدمتها للجيش الإسرائيلي.

وزعم الجيش الإسرائيلي وقت الغارة بأن مبنى المدرسة كان يحتوي على مركز للقيادة والسيطرة تديره حركة حماس، وأن جنوده قتلوا 31 مسلحاً من حماس خلال العملية.

وقال الجيش إنه استناداً إلى "مراجعة أولية" فإن أعداد الضحايا المعلن عنها لا تتوافق مع المعلومات المتوفرة لديه، خاصة مع استخدام نوع من الذخائر الموجهة بدقة فضلاً عن دقة تنفيذ الضربة. وأكد الجيش الإسرائيلي لمنصة بي بي سي لتقصي الحقائق أن هذه الحادثة لا تزال خاضعة للمراجعة.

الضفة الغربية

امرأة ترتدي فستاناً أسود وغطاء رأس أرجوانياً تمسك بيد فتاة ترتدي قميصاً أسود، وذلك في جنازة. وتظهر ثلاث فتيات أخريات بملابس سوداء؛ إحداهن ترتدي غطاء رأس أرجوانياً، وأخرى ترتدي غطاء رأس أسود. جميعهن يبكين.
التعليق على الصورة، نساء وفتيات يبكين خلال جنازة الفلسطينية لجين مصلح، 16 عاماً، في الضفة الغربية المحتلة في سبتمبر/أيلول 2024

ولم يقتصر الأمر على غزة فقط، في الضفة الغربية حققت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق أيضاً في حوادث ذكر الجيش الإسرائيلي أنه يجري تحقيقات بشأنها هناك.

وتجدر الإشارة إلى أن إسرائيل تحتل هذه الأراضي منذ حرب عام 1967، وأنشأت فيها عشرات المستوطنات، وهو أمر غير قانوني بموجب القانون الدولي.

ووفقاً لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، قُتل أكثر من 1000 فلسطيني في الضفة الغربية على يد القوات الإسرائيلية منذ 11 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وفحصت بي بي سي لتقصي الحقائق أكثر من 50 تحقيقاً أجراها الجيش الإسرائيلي حول حوادث وقعت في المنطقة، تضمنت 26 منها على الأقل مقتل أو إصابة نساء وأطفال.

ووقعت إحدى هذه الحوادث بالقرب من مدينة جنين في سبتمبر/أيلول 2024، حيث قُتلت الفتاة لجين مصلح، البالغة من العمر 16 عاماً، خلال عملية نفذتها القوات الإسرائيلية.

وذكر والد لجين أنها أُصيبت برصاصة في رأسها بينما كانت تنظر من نافذة منزلها في قرية كفر دان، بعد أن طوّق الجنود منزلاً مجاوراً لمنزلهم.

وزعم الجيش الإسرائيلي في ذلك الوقت بأن مسلحين أطلقوا النار على جنوده، مما اضطرهم للرد بدورهم "وإطلاق النار نحو شخص مشتبه به كان يراقبهم"، مضيفاً أن تفاصيل الحادث لا تزال قيد المراجعة.

لبنان

صورة مركبة؛ تظهر في الجزء الأيسر منها أنقاضٌ تغطي الأرض خارج مبنى مدمَّر، مع وجود أشجار في الخلفية، وذلك عقب غارة إسرائيلية على بلدة "علمات" اللبنانية. أما الجزء الأيمن فيُظهر حفارةً صفراء وهي تعمل وسط أكوام كبيرة من الأنقاض، مع ظهور سلسلة جبلية في الخلفية.
التعليق على الصورة، آثار غارة إسرائيلية في بلدة علمات في محافظة جبل لبنان نوفمبر/تشرين الثاني 2024

وفي لبنان رصدت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق ما يقرب من 40 تحقيقاً أجراه الجيش الإسرائيلي بشأن حوادث أسفرت عن وقوع أضرار في لبنان.

وكان حزب الله، قد أطلق صواريخ باتجاه إسرائيل دعماً لحركة حماس في أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول. ومنذ ذلك الحين، شنت إسرائيل عمليتي توغل واسعتين داخل الأراضي اللبنانية، مما أسفر عن مقتل أكثر من 4000 شخص، وفقاً للسلطات الصحية في لبنان.

ومن بين التحقيقات التي رصدتها بي بي سي لتقصي الحقائق، واقعة حدثت في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2024؛ حيث أسفرت غارة إسرائيلية بالقرب من مدينة جبيل عن مقتل 23 شخصاً، بينهم سبعة أطفال، بحسب ما أعلنته وزارة الصحة اللبنانية.

وأظهرت لقطات موثقة من موقع الحادث تصاعد الدخان وسط الأنقاض وتناثر أجزاء معدنية من المباني على الأرض، بعد تدميرها بالكامل.

وأعلن الجيش الإسرائيلي وقتها أنه استهدف موقعاً كان يستخدمه حزب الله في عملياته العسكرية وفي تخزين أسلحته، مشيراً إلى أن الحادث قيد المراجعة.

تحقيقات طويلة

يرى مايكل شميت، أستاذ القانون الدولي في جامعة ريدينغ والذي سبق له العمل عن قرب مع الجيش الإسرائيلي، أن الدائرة القانونية داخل الجيش الإسرائيلي "تمثل المرجع الموثوق (المعيار الذهبي) فيما يتعلق بفهم القانون".

لكنه أشار إلى أن "مجرد الادعاء بوقوع انتهاك لا يستلزم بالضرورة إجراء تحقيق شامل".

ويدافع شميت عن "الأسباب العديدة" التي قد تمنع الجيش الإسرائيلي من الكشف علناً عن تفاصيل تحقيق ما، أو عن أسباب اتخاذ قرار بعدم إجراء تحقيق، ويقول: "على سبيل المثال، لا ترغب في الكشف عن تفاصيل عملياتية أو قواعد اشتباك محددة، لأن قوات العدو قد تعدل تكتيكاتها وفقاً لما يتم الإعلان عنه".

مضيفاً أنه حتى لو أُجري تحقيق، فإن العديد من عناصره "ستظل سرية".

لكن جانينا ديل، أستاذة القانون الدولي وهي أيضاً مديرة مشاركة في معهد أكسفورد للأخلاق والقانون والنزاعات المسلحة، ترى أنه بعد مرور ثلاث سنوات على هذه العملية، "كان ينبغي أن تكون بعض هذه التحقيقات قد انتهت بالفعل".

وتشير جانينا إلى أنه فيما طُلب من إسرائيل بالتحقيق في حوادث تسببت في وقوع أضرار، "استخدمت إسرائيل بشكل كبير حجة أنها دولة تخضع لسيادة القانون، وذلك بهدف نزع الشرعية عن محاولات المجتمع الدولي لإجراء تحقيقات".

وتضيف: "إذا كانت لدينا حالات موثقة لانتهاكات لا تخضع للتحقيق، أو تتعثر التحقيقات فيها، وكانت هناك أسباب معقولة للاعتقاد بأن هذه القضايا يتم تهميشها أو تأجيلها عمداً، فإن ذلك يقوض الرواية التي تزعم أن إسرائيل قادرة تماماً على ضمان تحقيق المساءلة".

المنهجية المتبعة

جمعت وحدة بي بي سي لتقصي الحقائق 61 ألف تقرير من "بي بي سي نيوز" ووكالة "رويترز" تتناول قطاع غزة أو الضفة الغربية أو لبنان، نُشرت في الفترة ما بين 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 و19 أغسطس/آب 2026.

وطورت الوحدة محرك بحث يعتمد على الذكاء الاصطناعي لمسح هذه التقارير بحثاً عن حوادث ربما أسفرت عن إصابة أو مقتل أشخاص على يد القوات الإسرائيلية، وكذلك ما أعلنه الجيش الإسرائيلي من فتح تحقيقاً في الواقعة، أو استخدم عبارات مثل أنه "ينظر في الأمر"، أو "يراجع"، أو "يدقق"، أو "يفحص".

وأسفرت هذه العملية عن تحديد نحو 5 آلاف تقرير، قام فريق بي بي سي لتقصي الحقائق بمراجعتها يدوياً، واستبعدوا أي تقرير لا يستوفي المعايير المذكورة أعلاه.

وبذلك، تبقى لدينا 1343 تقريراً عن حوادث ذكر الجيش الإسرائيلي أنه ينظر فيها، علماً بأن بعض هذه التقارير كانت تشير إلى الحوادث ذاتها.

استخدمنا أداة أخرى تعتمد على الذكاء الاصطناعي لاستبعاد التقارير المكررة؛ حيث جرى تجميع التقارير المتعلقة بالحادثة الواحدة وفقاً لتاريخ النشر، وتاريخ وقوع الحادثة، وموقعها، وأعداد المصابين أو القتلى المذكورة.

بعد ذلك، تحققت الوحدة يدوياً من تصنيف كل تقرير ضمن المجموعة الصحيحة، لنصل في النهاية إلى 300 حادثة فريدة تستحق المتابعة.

بالنسبة لكل حادثة من هذه الحوادث، قمنا بمطابقة بياناتنا، بما في ذلك تاريخ وقوع الحادثة وموقعها وأعداد القتلى أو المصابين، مع ما ورد في التقرير الأصلي الصادر عن "بي بي سي نيوز" أو "رويترز".

شاركنا تفاصيل كل حالة لدينا مع الجيش الإسرائيلي، بما في ذلك تاريخ الحادثة وموقعها، والتقرير الإخباري الذي يصفها، وتعليق الجيش الإسرائيلي الذي صدر تعليقاً عليها وإشارته أنه ينظر في الأمر.

وطلبنا من الجيش الإسرائيلي التعليق وتوضيح الوضع الراهن لكل حالة وما وصلت إليه التحقيقات، لكنه لم يوضح في رده علي بي بي سي ما إذا كانت أي من هذه التحقيقات قد انتهت.

كما بحثنا عن أي بيانات على الموقع الإلكتروني للجيش الإسرائيلي ، لكل حادثة على حدة، تشير إلى انتهاء التحقيق، وذلك باستخدام محركي بحث مختلفين مدعومين بالذكاء الاصطناعي.

وقد وجدنا أدلة تفيد بإغلاق 28 حالة، استناداً إلى بيانات توضح النتائج التي تم التوصل إليها أو تشير إلى عدم اتخاذ أي خطوات إضافية.

أما بالنسبة لـ 18 حادثة أخرى، فلم يتضح ما إذا كانت التحقيقات بشأنها قد انتهت أم لا. وشمل ذلك حالاتٍ نشر فيها الجيش الإسرائيلي معلومات أولية عن واقعةٍ ما دون الإشارة بوضوح إلى إغلاق ملفها، وحالاتٍ أخرى أصدر الجيش بيانات على موقعه الإلكتروني صنف فيها بعضَ أو كلَّ الأشخاص الذين قُتلوا أو أُصيبوا على أنهم "مقاتلون" أو مسلحون.

وقد خلُصنا إلى وجود ما لا يقل عن 254 واقعةً تسببت في وقوع أضرار، وكان الجيش الإسرائيلي قد ذكر أنه بصدد التحقيق فيها، لكننا لم نعثر على أي نتائج معلنة بشأنها على موقعه الإلكتروني.

تجدر الإشارة إلى أن هذا البحث لم يكن شاملاً؛ فمن المرجح وجود تحقيقاتٍ أخرى حول وقائع تسببت في وقوع أضرار، لم يتم رصدها ضمن بحثنا.

لوجو بي بي سي فيريفاى