كيف تتحول احتجاجات جيل زد إلى "كرة ثلج" تهز الحكومات؟

صدر الصورة، Getty Images
- Author, هشام الجرايشة
- Role, بي بي سي نيوز عربي
- Published
- مدة القراءة: 8 دقائق
بدأت بحظر مواقع التواصل الاجتماعي في نيبال، وانقطاع المياه والكهرباء في مدغشقر، وتسريب أسئلة امتحانات في الهند، لكن الاحتجاجات التي خرج فيها شباب من جيل زد لم تتوقف دائماً عند مطالبها الأولى، إذ توسعت في بعض البلدان لتشمل الدعوة إلى استقالة مسؤولين أو رحيل حكومات.
ومن فرنسا إلى المغرب وألبانيا، مروراً بإسبانيا، شهدت دول أخرى مظاهرات بشأن التعليم وفرص العمل والسكن والخدمات العامة، شارك فيها آلاف الشباب، قبل أن تتسع بعض التحركات لتشمل فئات ومطالب سياسية واجتماعية أخرى.
وخلال العامين الماضيين، أدت احتجاجات قادها شباب إلى سقوط حكومات في بلدان مثل نيبال وبنغلاديش، بينما دفعت تحركات أخرى السلطات إلى تقديم تنازلات أو التعهد بإصلاحات.
ويقف المنتمون إلى ما يُعرف بـ"جيل زد" في طليعة عدد من هذه الاحتجاجات، ويُستخدم المصطلح عادة للإشارة إلى المولودين بين عامي 1997 و2012، وإن كانت حدوده الزمنية تختلف بين المصادر.
فكيف تحولت مطالب محددة إلى احتجاجات أوسع؟ وما الذي يجمع هذه التحركات، رغم اختلاف أسبابها ونتائجها من بلد إلى آخر؟
كيف بدأت الاحتجاجات؟
في نيبال، أشعل قرار حكومي بحظر عدد من منصات التواصل الاجتماعي احتجاجات واسعة في سبتمبر/أيلول 2025، بعدما قالت السلطات إن الشركات المالكة لهذه المنصات لم تستوفِ متطلبات التسجيل المحلية.
لكن المحتجين، الذين أطلقوا على تحركاتهم اسم "مظاهرات جيل زد"، لم يقتصروا على المطالبة برفع الحظر، بل رفعوا شعارات مناهضة للفساد، وانتقدوا محدودية فرص العمل والأوضاع الاقتصادية.
وبعد سقوط قتلى خلال مواجهات مع قوات الأمن، تراجعت الحكومة عن قرار الحظر، لكن الاحتجاجات استمرت، قبل أن يستقيل رئيس الوزراء، كيه بي شارما أولي، في التاسع من سبتمبر/أيلول.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وتولت سوشيلا كاركي، رئيسة المحكمة العليا السابقة، رئاسة حكومة انتقالية بعد ثلاثة أيام، لتصبح أول امرأة تتولى هذا المنصب في البلاد.
وفي مدغشقر، بدأت الاحتجاجات في 25 سبتمبر/أيلول 2025، اعتراضاً على الانقطاعات المتكررة للكهرباء والمياه، قبل أن تتسع مطالب المتظاهرين لتشمل مكافحة الفساد ورحيل الرئيس أندريه راجولينا.
وحاول راجولينا احتواء الاحتجاجات بإقالة الحكومة وتعيين رئيس وزراء جديد، لكن المتظاهرين واصلوا المطالبة باستقالته.
وتفاقمت الأزمة بعد انضمام وحدات عسكرية إلى المحتجين ومغادرة راجولينا البلاد، قبل أن يصوت البرلمان على عزله، ويعلن الكولونيل مايكل راندريانيرينا تولي الجيش السلطة في 14 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
أما في فرنسا، فقد بدأت الاحتجاجات في سبتمبر/أيلول 2026 بين طلاب المدارس الثانوية، الذين اشتكوا من نقص المعلمين واكتظاظ الصفوف وتردي مرافق المدارس، وطالبوا بتحسين ظروف التعليم.
وسرعان ما اتسعت المظاهرات لتشمل نقابات عمالية وفئات أخرى، وبرزت خلالها مطالب تتعلق بارتفاع تكاليف المعيشة والإنفاق العام والخدمات الأساسية.
وفي 17 أكتوبر/تشرين الأول، شارك نحو 550 ألف شخص في مظاهرات بأنحاء فرنسا، وفق تقديرات وزارة الداخلية، بينما قدر الاتحاد العام للعمل عدد المشاركين بنحو 800 ألف.
ورغم أن كثيراً من المظاهرات جرى سلمياً، فقد شهدت مدن عدة، بينها باريس وليون ومرسيليا، أعمال عنف على هامشها، شملت نهب متاجر وإضرام النار في مبانٍ عامة ومواجهات مع الشرطة.
وبحلول 19 أكتوبر/تشرين الأول، أعلنت السلطات توقيف نحو 2,400 شخص خلال اضطرابات عطلة نهاية الأسبوع، بحسب وكالة رويترز.
وأدان الرئيس إيمانويل ماكرون أعمال العنف، ودعا إلى حوار بشأن مطالب المحتجين، فيما طلبت الحكومة فرض حظر تجول محدود في المناطق التي شهدت اضطرابات.
وفي ألبانيا، بدأت احتجاجات طلابية في 13 أكتوبر/تشرين الأول 2026، وسط شكاوى من ضعف فرص العمل وتردي مستوى التعليم، واتهامات للحكومة بالفساد.
وتوسعت الاحتجاجات لتشمل مطالب باستقالة رئيس الوزراء إيدي راما، كما انضم إليها مشاركون في تحركات سابقة ضد مشروع سياحي فاخر على الساحل الألباني، مدعوم من جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وشهدت العاصمة تيرانا مواجهات بين الشرطة ومحتجين، تخللتها أعمال تخريب وإحراق مبانٍ حكومية ومصارف، فيما استخدمت الشرطة الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي.
وبحسب رويترز، أعلن قائد الشرطة الألبانية في 17 أكتوبر/تشرين الأول القبض على 1067 شخصاً، واتخاذ إجراءات ملاحقة جنائية بحق 388، إلى جانب وقف سبعة من عناصر الشرطة عن العمل وإحالتهم إلى تحقيقات تأديبية.
ورفض راما الاستقالة، وقال إن حكومته تحترم حق الطلاب في الاحتجاج، لكنه حذر من تأثير الاضطرابات على مساعي بلاده للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
أما في الهند، فقد اندلعت احتجاجات شبابية خلال عام 2026، على خلفية تسريب أسئلة امتحانات القبول في كليات الطب، وسط مطالب بمحاسبة المسؤولين وإصلاح نظام الامتحانات.
وقادت جانباً من هذه الاحتجاجات حركة شبابية ساخرة تطلق على نفسها اسم "حزب شعب الصراصير"، نشأت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تستقطب آلاف المشاركين.
وفي 25 يوليو/تموز، استقال وزير التعليم دارمندرا برادان بعد أسابيع من الاحتجاجات، وأعلنت الحكومة لاحقاً إجراءات لإصلاح نظام الامتحانات وتشديد العقوبات على المتورطين في تسريب الأسئلة.
لكن الحركة عادت إلى الشارع في أكتوبر/تشرين الأول، وهذه المرة احتجاجاً على مراجعة قوائم الناخبين، وسط مطالب باستقالة رئيس لجنة الانتخابات جيانيش كومار.
وأثارت عملية المراجعة جدلاً بعدما حُذف نحو 130 مليون اسم من قوائم الناخبين منذ العام الماضي، وفق بيانات لجنة الانتخابات التي أوردتها رويترز.
وتقول الحركة وأحزاب معارضة إن الإجراءات قد تحرم ناخبين مؤهلين من التصويت، وإنها تصب في مصلحة حزب بهاراتيا جاناتا الحاكم.
في المقابل، تنفي لجنة الانتخابات والحزب الحاكم الاتهامات بالانحياز، وتقول اللجنة إن الأسماء المحذوفة تشمل متوفين وأشخاصاً انتقلوا من أماكن إقامتهم وآخرين تعذر التحقق منهم، مؤكدة إمكان إعادة تسجيل من حُذفت أسماؤهم خطأً.
وفي 19 أكتوبر/تشرين الأول، ذكرت رويترز أن محكمة هندية مددت احتجاز اثنين من قياديي الحركة الشبابية ليومين إضافيين، على خلفية احتجاج للمطالبة باستقالة رئيس لجنة الانتخابات.

صدر الصورة، Getty Images
وفي المغرب، خرج شبان إلى الشوارع في سبتمبر/أيلول 2025، استجابة لدعوات أطلقتها حركة "جيل زد 212" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، للمطالبة بتحسين خدمات الصحة والتعليم ومكافحة الفساد.
وساهمت وفاة ثماني نساء في مستشفى بمدينة أغادير خلال أقل من شهر في تأجيج الغضب بشأن أوضاع القطاع الصحي، وفقاً لرويترز.
وامتدت الاحتجاجات إلى مدن عدة، وشهد بعضها مواجهات وأعمال عنف أسفرت عن مقتل ثلاثة أشخاص برصاص قوات الأمن واعتقال مئات الأشخاص، وقالت السلطات إن إطلاق النار وقع خلال محاولة اقتحام مقر أمني.
وأكدت حركة "جيل زد 212" رفضها أعمال العنف والنهب، فيما أعلنت الحكومة المغربية في 30 سبتمبر/أيلول تفهمها للمطالب الاجتماعية للشباب، واستعدادها للحوار بشأنها.
وفي إسبانيا، خرج عشرات الآلاف إلى الشوارع في الثالث من أكتوبر/تشرين الأول 2026، احتجاجاً على أزمة السكن وارتفاع الإيجارات، بعد رفض البرلمان إجراءات حكومية تهدف إلى الحد من عمليات الإخلاء وتخفيف الضغوط على المستأجرين.
وشارك نحو 70 ألف شخص في مظاهرة بالعاصمة مدريد، بحسب تقديرات الحكومة الإسبانية التي نقلتها رويترز، فيما شهدت نحو 50 مدينة أخرى احتجاجات مماثلة.
وجاءت المظاهرات وسط غضب أثارته قضية إخلاء ماري كارمن أباسكال، البالغة من العمر 87 عاماً، من منزلها في مدريد، بعدما عاشت فيه لأكثر من سبعة عقود.
وتوصلت أباسكال لاحقاً إلى اتفاق يسمح لها بالعودة إلى المنزل، لكنها توفيت في السابع من أكتوبر/تشرين الأول بعد دخولها المستشفى، دون الإعلان عن سبب وفاتها.
وطالب المحتجون بتوفير مساكن بأسعار مناسبة، والحد من ارتفاع الإيجارات، وتعزيز حماية المستأجرين.
وفي الخامس من أكتوبر/تشرين الأول، دعا رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى انتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني، بعد رفض البرلمان مقترحات حكومته لمعالجة أزمة السكن.

صدر الصورة، Getty Images
كيف ساهمت مواقع التواصل الاجتماعي في انتشار الاحتجاجات؟
استخدم منظمو عدد من هذه الاحتجاجات مواقع التواصل الاجتماعي للدعوة إلى المظاهرات وتنسيقها، خصوصاً في الحركات التي لا ترتبط بأحزاب أو تنظيمات سياسية تقليدية.
ففي المغرب، اعتمدت حركة "جيل زد 212" على تطبيقات مثل تيك توك وإنستغرام وديسكورد للتواصل مع المشاركين.
وبحسب وكالة رويترز، ارتفع عدد أعضاء إحدى مجموعات الحركة على تطبيق ديسكورد من نحو ثلاثة آلاف إلى 188 ألفاً خلال أسبوع واحد، وفق تقرير نشرته في السادس من أكتوبر/تشرين الأول 2025.
وفي نيبال، لجأ ناشطون إلى تطبيقات أخرى، بينها تيك توك وفايبر، واستخدم بعضهم وسائل لتجاوز الحظر الحكومي المفروض على منصات التواصل الاجتماعي.
ولم يقتصر دور هذه المنصات على تنظيم الاحتجاجات داخل البلدان، إذ أشارت رويترز إلى استلهام بعض الحركات الشبابية تجارب احتجاجية في دول أخرى.
كما ظهرت رموز مشتركة بين بعض التحركات، من بينها علم القراصنة المستوحى من مسلسل الرسوم المتحركة الياباني "ون بيس"، الذي رفعه متظاهرون في مدغشقر وبلدان أخرى.
ورغم أوجه التشابه في وسائل التنظيم والرموز المستخدمة، فإن هذه الاحتجاجات نشأت في ظروف محلية مختلفة، ولا تظهر التقارير المتاحة أنها جزء من تنظيم سياسي دولي واحد.
ماذا تغير بعد الاحتجاجات؟
لم تتوقف نتائج بعض الاحتجاجات عند استقالة مسؤولين أو تغيير الحكومات، إذ شهدت بلدان انتخابات وتشكيل حكومات جديدة، بينما أعلنت حكومات أخرى إجراءات لمعالجة بعض مطالب المحتجين.
ففي نيبال، أجريت انتخابات برلمانية في الخامس من مارس/آذار 2026، بعد نحو ستة أشهر من الاحتجاجات التي أطاحت بحكومة كيه بي شارما أولي.
وفاز حزب راستريا سواتانترا بـ182 مقعداً من أصل 275 في البرلمان، وفي 27 مارس/آذار، تولى باليندرا شاه، مغني الراب السابق ورئيس بلدية كاتماندو السابق، رئاسة الحكومة عن عمر 35 عاماً.
وواجهت الحكومة الجديدة مطالب بتوفير فرص العمل وتنفيذ توصيات لجنة حققت في مقتل 76 شخصاً خلال احتجاجات سبتمبر/أيلول 2025، بينها توصيات بملاحقة مسؤولين عن التعامل الأمني مع المظاهرات.
أما في بنغلاديش، التي أطاحت احتجاجات طلابية برئيسة وزرائها الشيخة حسينة في أغسطس/آب 2024، فقد حصل حزب المواطن الوطني، الذي أسسه ناشطون شاركوا في الاحتجاجات، على ستة مقاعد من أصل 300 في الانتخابات البرلمانية التي أجريت في فبراير/شباط 2026.
وفي المقابل، حقق حزب بنغلاديش القومي فوزاً كبيراً في الانتخابات.
وفي مدغشقر، لم يؤدِ رحيل الرئيس أندريه راجولينا إلى انتقال السلطة مباشرة إلى حكومة مدنية منتخبة، إذ تولى الجيش الحكم وأعلن مرحلة انتقالية قد تستمر عامين قبل إجراء انتخابات.

صدر الصورة، Getty Images
وفي التاسع من مارس/آذار 2026، أقال الرئيس العسكري مايكل راندريانيرينا رئيس الوزراء والحكومة بأكملها، دون الإعلان عن أسباب القرار.
وكان ناشطون شاركوا في الاحتجاجات قد أعربوا عن مخاوف بشأن دور الجيش في إدارة المرحلة الانتقالية، وطالبوا بإشراك الشباب في القرارات المتعلقة بمستقبل البلاد.
وفي المغرب، أعلن القصر الملكي في أكتوبر/تشرين الأول 2025 تخصيص 140 مليار درهم، أي نحو 15 مليار دولار، لقطاعي الصحة والتعليم في موازنة 2026، بزيادة تبلغ 16 في المئة مقارنة بالعام السابق.
كما تبنّت الحكومة مشروعات قوانين تتضمن إجراءات لتشجيع المشاركة السياسية للشباب، بينها تسهيل ترشح من تقل أعمارهم عن 35 عاماً، وتقديم دعم مالي يغطي 75 في المئة من تكاليف حملاتهم الانتخابية.
وشهدت البلاد لاحقاً انتخابات برلمانية في سبتمبر/أيلول 2026، أعقبها تشكيل حكومة جديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري، أول امرأة تتولى هذا المنصب في المغرب.
وتُواجه الحكومة الجديدة مطالب تتعلق بتحسين التعليم والرعاية الصحية وتوفير فرص العمل، وهي القضايا التي أثارها المحتجون في العام السابق.
أما في الهند، فقد أعقبت استقالة وزير التعليم إجراءات حكومية شملت تشكيل فريق عمل لمراجعة نظام الامتحانات، والإعلان عن تشديد العقوبات على المتورطين في تسريب الأسئلة.
وفي فرنسا، تعهدت الحكومة بإرسال نحو ثلاثة آلاف معلم مؤهل لسد النقص في المدارس، فيما استمرت الاحتجاجات المتعلقة بتكاليف المعيشة والخدمات العامة.
أما في إسبانيا، فقد أدت أزمة السكن والخلافات البرلمانية بشأن إجراءات معالجتها إلى الدعوة لانتخابات عامة مبكرة في 29 نوفمبر/تشرين الثاني 2026.





























