أول رئيسة وزراء في المغرب: بين الملك ورجال الدين والحركة النسوية

صدر الصورة، Reuters
- Author, بسمة العاطي
- Published
- مدة القراءة: 6 دقائق
يتردد حالياً في المغرب الحديث النبوي "لن يفلح قومٌ ولَّوا أمرهم امرأة"، وذلك في أعقاب تعيين الملك محمد السادس، أول امرأة تتولى منصب رئيس الوزراء وهي فاطمة الزهراء المنصوري.
واستشهد بهذا الحديث أيضاً مصطفى الرميد، وزير العدل السابق في حكومة قادها حزب له توجّه إسلامي، في وقت سابق من هذا الشهر، عبر منشور مطوّل على موقع "فيسبوك"، تساءل فيه عما إذا كان ينبغي للمرأة أن تشغل أعلى منصب سياسي في البلاد.
واعتبر الرميد أن المغرب، وهو البلد ذو الأغلبية المسلمة، قد نجح في تحقيق توازن بين المساواة ومسؤوليات قيادة الدولة؛ إذ ظل المنصب الأسمى في البلاد، وهو الملك، حكراً على الرجال فقط.
المعروف أن نظام الحكم في المغرب ملكي دستوري، ومع ذلك، تبقى السلطة التنفيذية في يد الملك الحالي البالغ من العمر 63 عاماً.
وجاء اختيار فاطمة الزهراء بعد أن حقق حزبها "الأصالة والمعاصرة"، أكبر عدد من المقاعد في الانتخابات البرلمانية التي جرت في سبتمبر/أيلول الماضي، وأعلن الحزب لاحقاً عن تشكيل ائتلاف مع ثلاثة أحزاب أخرى؛ ليمتلك الائتلاف أغلبية كبيرة بلغت 207 مقاعد من أصل 395 مقعداً في البرلمان.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
كان اختيار الملك لفاطمة للمنصوري بمثابة حدث تاريخي، لكنه كشف في الوقت ذاته عن تحفظات ما زالت موجودة حول تولي النساء مناصب السلطة.
وفي اليوم التالي لتعيينها، نزلت القناة المحلية "شوف تي في" (Chouf TV) إلى الشوارع لتسأل رجالاً مغاربة عن "رأيهم" في تولي امرأة رئاسة الحكومة.
تردد عدد من الرجال، معظمهم في منتصف العمر أو أكبر، قبل الإجابة، بينما قال بعضهم إنهم يقبلون القرار لأنه جاء بناء على اختيار الملك.
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
بينما قال رجلٌ كبير في السن، لم يذكر اسمه أو عمره: "يبدو أمراً غريباً أن تتولى امرأة رئاسة الحكومة؛ لست متأكداً مما إذا كان الأمر يروق لي".
المعروف أن انتقاد المؤسسة الملكية ينطوي على مخاطر قانونية في المغرب؛ إذ يُجرّم القانون الجنائي أشكالاً معينة من الإساءة أو الإهانة الموجهة للملك أو العائلة الملكية أو النظام الملكي.
لكن على شبكة الإنترنت، تحوّل تعيينُ سيدةٍ رئيسةً للحكومة إلى مادة للسخرية السياسية.
فقد انتشر مقطع فيديو يُظهر امرأتين تتشاجران وتجذب كل منهما شعر الأخرى، مع تعليقات توحي بأن هذا قد يكون شكل الخلافات البرلمانية بين فاطمة المنصوري وزملائها.
في المقابل، رحّب الكثير من الشباب المغاربة، ولا سيما النساء، بتعيينها.
ورغم أن المواقف في المغرب بدأت تتغير، إلا أن الآراء المحافظة وذات الطابع الديني لا تزال تمثل وزناً كبيراً.
وتتركز بعض النقاشات الأكثر إثارة للجدل في البلاد حول المساواة بين الجنسين على قانون الأسرة، بما في ذلك الميراث والزواج والطلاق.
ووفقاً لقواعد الميراث المعمول بها حالياً، تحصل المرأة عادةً على نصف حصة الرجل.
وقد عارض "المجلس العلمي الأعلى"، وهو الهيئة الدينية الرسمية المعنية بالإفتاء في البلاد، الدعوات المطالبة بالمساواة في الميراث بين الرجل والمرأة، مستنداً في رفضه إلى نصوص الشريعة الإسلامية.
كما رفض المجلس مقترحات بإلغاء نظام "التعصيب"؛ وهو قاعدة قد تُلزم الفتيات اليتيمات اللواتي ليس لديهن إخوة ذكور بتقاسم الميراث مع أقارب ذكور، حتى وإن كانوا من الأقارب البعيدين.
في تقرير صدر عام 2022، قال المجلس الوطني لحقوق الإنسان في المغرب، إن قواعد الميراث غير المتكافئة ساهمت في انتشار الفقر بين النساء.
فضلاً عن قانونية تعدد الزوجات في المغرب، وإن كان مقيداً بشروط معينة.
وكانت التعديلات المطروحة على "مدونة الأسرة" قد تضمنت مقترحاً يتيح للمرأة إدراج بند في عقد الزواج يمنع زوجها من الزواج بأخرى. لكن لا تزال هناك استثناءات، منها البنود المتعلقة بحالات عقم الزوجة الأولى أو مرضها؛ وهي بنود انتقدتها جماعات حقوق المرأة باعتبارها تنتهك الخصوصية والسرّية الطبية.
وتعد هذه القضايا جوهر مقترحات إصلاح "مدونة الأسرة" في المغرب، وهي القانون الذي ينظم الزواج والطلاق وحضانة الأطفال.
وقد أُعلن عن حزمة من التعديلات في عام 2024، لكن هذه الإصلاحات لم تُعتمد بعد كقانون نافذ.
وإلى جانب قانون الأسرة، تأمل بعض الفتيات أن تعمل رئيسة الوزراء الجديدة على تحسين تعليم الفتيات.
فقد كشفت "المندوبية السامية للتخطيط" في المغرب، وهي الهيئة الوطنية الرسمية للإحصاء، في عام 2025، أن 55 في المئة فقط من الفتيات اللواتي تتراوح أعمارهن بين 15 و17 عاماً يذهبن إلى المدارس في المناطق الريفية، حيث لا تزال معدلات الفقر، وزواج القاصرات، والتسرب الدراسي تشكل عوائق رئيسية. أما في المناطق الحضرية، فقد بلغت نسبة تعليم الفتيات في المدارس 100 في المئة.
وتقول شيفاء لعزوزي، وهي شابة مغربية، في حديثها لبي بي سي: "تتخلى الكثير من الفتيات في الأرياف المغربية عن دراستهن في سن مبكرة؛ نظراً لبُعد المدارس، أو غياب وسائل نقل آمنة، أو لأن الأسر ذات الإمكانيات المحدودة تفضل غالباً بقاء بناتها في المنزل".
كما تشير أيضاً إلى أن أحد أسباب عدم ذهاب الفتيات للمدارس هو عدم قدرتهن على توفير وتحمّل تكاليف مستلزمات النظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية، في المناطق الفقيرة والريفية.
وتضيف لعزوزي: "لا تزال الأمور الصحية المتعلقة بالدورة الشهرية تُعامَل كأمر محظور الحديث عنه... وأود أن أرى توفير مستلزمات النظافة الصحية مجاناً في المدارس".
ولا تعد المنصوري وجهاً جديداً في المشهد السياسي؛ فقد أمضت أكثر من عقدين في العمل العام، شغلت خلالهما منصب عمدة مدينة مراكش، وتولت مناصب حكومية، كما كانت عضوة في البرلمان.
وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، تولت منصب وزيرة إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، في حكومة رئيس الوزراء السابق عزيز أخنوش.
وعقب تعيينها، وصفت فاطمة المنصوري هذه اللحظة بأنها علامة فارقة للمرأة المغربية.
وقالت: "كَوني أول امرأة تترأس الحكومة ليس مصدر فخر لي فحسب، بل لكل نساء المملكة".
ومنذ تعيينها، لم توضح رئيسة الوزراء الجديدة ما إذا كانت تعتزم تمرير إصلاحات "مدونة الأسرة".
كما لم تُدلِ، خلال مسيرتها السياسية حتى الآن، بأي تصريحات علنية بارزة حول حقوق المرأة، وذلك في وقتٍ كانت تجري نقاشات واسعة النطاق بشأن تعديلات على قواعد الميراث، وتعدد الزوجات، وقانون الأسرة.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
ترى الدكتورة إيرين فرنانديز-مولينا، الخبيرة في شؤون "الجنوب العالمي" بجامعة إكستر في المملكة المتحدة، أن هذا التعيين يندرج في سياق المصالح السياسية الأوسع للمؤسسة الملكية.
وتقول لبي بي سي: "لقد هيمن عنوانان رئيسيان على تغطية الانتخابات البرلمانية الأخيرة في المغرب: انخفاض نسبة المشاركة إلى أدنى مستوى لها منذ عقدين، وتعيين الملك محمد السادس لامرأة في منصب رئيسة الحكومة، وهي سابقة في تاريخ البلاد".
وتضيف: "لا يمكن فهم الحدث الثاني بعيداً عن الحدث الأول".
وتشير الأرقام الرسمية إلى أن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 38 في المئة فقط من الناخبين المسجلين، في حين كانت النسبة أقل بكثير من إجمالي من يحق لهم التصويت.
وتصف الدكتورة إيرين هذا التعيين بأنه نموذج لما تسميه "النسوية في ظل الدولة السلطوية"؛ أي توظيف انتقائي لنضال المرأة من أجل حقوقها، يُدار من أعلى النظام إلى الأسفل، بهدف إضفاء الشرعية على النظام.
وترى أن ترقية امرأة إلى أعلى منصب حكومي قد تهدف إلى تقديم صورة تعكس التحديث والتقدم، في وقت يظل النظام السياسي ووتيرة الإصلاح الاجتماعي "على حالهما" تقريباً.
أما ياسمينا بن سليمان، الناشطة في مجال حقوق المرأة المغربية، فترى أن هذا التعيين يكسر حاجزاً طالما ظل قائماً، لكنها تشير في الوقت ذاته إلى أهمية الخلفية الاجتماعية التي تنتمي إليها المنصوري.
وتقول: "إنه يكسر الصور النمطية، لأنه يخترق أخيراً سقفاً لم يُكسر من قبل. لكن الطريقة التي وصلت بها إلى هذا المنصب تظل أمراً مهماً".
فوالد فاطمة المنصوري الراحل كان يشغل منصب "باشا" لمدينة مراكش، وهو منصب إداري محلي رفيع، كما كان دبلوماسياً (عمل سفيراً للمغرب في الإمارات العربية المتحدة).
وتجادل ياسمينا بن سليمان بأن خلفيتها ونشأتها وعلاقاتها داخل الشبكات السياسية تميزها عن كثيرات من النساء المغربيات اللواتي يفتقرن إلى الفرص ذاتها لخوض المعترك العامّ.
وبالنسبة لياسمينا، كما هو الحال بالنسبة للعديد من المنظمات الحقوقية النسائية في البلاد، يظل إصلاح "مدونة الأسرة" اختباراً جوهرياً للحكومة الجديدة.
ومع ذلك، فإن هامش المناورة المتاح لرئيسة الحكومة الجديدة يظل محكوماً بطبيعة النظام السياسي في البلاد.
فالملك يحتفظ بصلاحيات واسعة في مجالات حيوية، مثل الدفاع والشؤون الخارجية، بينما يعمل رئيس الحكومة ضمن نظام تتوزع فيه السلطات.
وفي ما يتعلق بإصلاح "مدونة الأسرة"، سيتعين على رئيسة الحكومة التعامل مع علماء الدين في البلاد، وهم في غالبيتهم من الرجال.
وهو ما يجعل بعض النساء المغربيات يؤكدن أن ما ستقدمه بالفعل خلال توليها المنصب هو معيار الحكم الأهم عليها، رغم الترحيب طبعاً بقرار تعيينها.
تقول سارة زويتِن، وهي شابة مغربية، في حديثها لبي بي سي: "لا أعتقد أنه ينبغي تقييم فاطمة المنصوري بناءً على كونها امرأة؛ فوجود امرأة في موقع السلطة لا يعني تلقائياً أنها ستكون نصيرة لحقوق المرأة".
وتضيف: "يطرح حزبها نفسه كقوة سياسية تسعى للتحديث، لذا أريد أن أرى ما إذا كان ذلك سيترجم فعلياً إلى تغيير ملموس على أرض الواقع".





























