كيف أصبحت الهند تعتمد بشكل كبير على الواردات الصينية؟

صدر الصورة، AFP via Getty Images
- Author, نيكيل إينامدار
- Role, مومباي
- Published
- مدة القراءة: 5 دقائق
إذا دخلت متجراً لبيع الألعاب في الهند، فقد لا تخرج منه فقط بلعبة جديدة مفضلة لطفل، بل ربما تحصل أيضاً على لمحة عن الطريقة التي تخوض بها البلاد معركة لتحسين علاقتها الاقتصادية مع جارتها القوية الصين.
قبل ست سنوات، وفي محاولة لدعم التصنيع المحلي ومنع دخول الألعاب رديئة الجودة إلى السوق، رفعت الهند الرسوم الجمركية على الألعاب المستوردة من 20 في المئة إلى 60 في المئة، ثم إلى 70 في المئة لاحقاً.
وأثار القرار غضب تجار التجزئة، الذين قالوا إن الشركات المحلية لن تتمكن أبداً من منافسة المنتَجات المصنَّعة في الخارج، لكن الجمع بين الرسوم الجمركية المرتفعة ومعايير مراقبة الجودة أثبت فعاليته.
تراجعت واردات الهند من الألعاب بنحو الثلث، من قرابة 300 مليون دولار عام 2020 إلى 100 مليون دولار هذا العام، فيما ارتفعت الصادرات من نحو 129 مليون دولار إلى 200 مليون دولار خلال الفترة نفسها.
كما تمكنت البلاد من خفض اعتمادها على الصين بشكل كبير، بعدما كانت المنتجات الصينية تستحوذ على 70 في المئة من سوق الألعاب المحلية.
ويبرز قطاع الألعاب بوصفه استثناءً من محاولات الهند التي لم تحقق النجاح نفسه في إعادة التوازن إلى علاقتها التجارية التي تزداد اختلالاً مع جارتها الكبرى، إذ يقول بعض الخبراء إنها علاقة أصبحت من بين الأكثر تفاوتاً في العالم.
وحتى مع انهيار العلاقات الدبلوماسية بين البلدين بشكل شبه كامل عقب الاشتباكات في وادي غالوان عام 2020، وإعلان دلهي سلسلة من رسوم مكافحة الإغراق وحظر تطبيقات صينية مثل تيك توك، واصل العجز التجاري الهندي مع بكين اتساعه، من 44 مليار دولار عام 2020 إلى رقم لافت بلغ 112 مليار دولار هذا العام.
وقال كيفن زونغتشه لي، الباحث المقيم في واشنطن بمعهد سياسات جمعية آسيا ومركز تحليل الصين، لبي بي سي: "واصل اعتماد الهند الاقتصادي على الصين التعمق، في وقتٍ كانت العلاقات السياسية والأمنية والاستثمارية بين البلدين عند أدنى مستوياتها".
والأكثر إثارة للقلق أن صادرات الهند إلى الصين ظلت دون مستويات ما قبل جائحة كورونا، في حين تضاعفت الواردات خلال الفترة نفسها.
ويقول أجاي سريفاستافا، من مؤسسة المبادرة العالمية للتجارة والبحوث ومقرها دلهي: "توفر الصين الآن أكثر من 30 في المئة من واردات الهند الصناعية، كما تعتمد الهند عليها في أكثر من 100 منتج حيوي، والاختلال آخذ في التفاقم".
وبحسب سريفاستافا، إذا استمر نمو الواردات بهذه الوتيرة السريعة، فقد يرتفع العجز التجاري بين البلدين إلى 134 مليار دولار، ما قد يمنح بكين نفوذاً أكبر على الصناعة الهندية.

صدر الصورة، Bloomberg via Getty Images
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
على هامش قمة مجموعة بريكس في دلهي في سبتمبر/أيلول، وفي ظل تحسُّن متزايد في العلاقات بين العملاقين الآسيويين، تعهّد رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي والرئيس الصيني شي جين بينغ بمعالجة "الاختلالات الهيكلية في التجارة ومشكلات سلاسل الإمداد".
لكن خبراء قالوا لبي بي سي، إن هذه ستكون مهمة شاقة بالنسبة إلى دلهي، نظراً إلى مدى ترسخ الواردات الصينية في الاقتصاد الصناعي الهندي.
ويرجع ذلك أساساً إلى أن اعتماد الهند على الصين لم يعد مقتصراً على استهلاك المنتجات النهائية، بل أصبح يمتد بصورة متزايدة إلى إنتاج السلع الصناعية نفسها.
صحيح أن الهند قلصت اعتمادها على واردات بعض السلع النهائية، مثل الهواتف الذكية ومعدات الطاقة الشمسية، وباتت تنتج أكثر من ربع هواتف آيفون في العالم، لكن، كما يقول سريفاستافا: "الإنتاج لا يزال يعتمد إلى حد كبير على التجميع، ويعتمد بدرجة كبيرة على مكونات مستوردة، ولا سيما من الصين".
ويتكرر الأمر نفسه في قطاعات الآلات الصناعية، ومدخلات البطاريات، والمواد الكيميائية، والخلايا الشمسية، ومعدات التصنيع.
وبحسب مؤسسة أوبزرفر للأبحاث، تشكّل الآلات الكهربائية والإلكترونيات وحدها 36 في المئة من الواردات، تليها الآلات والأجهزة الميكانيكية بنسبة 21.7 في المئة، فيما تستحوذ المواد الكيميائية العضوية والبلاستيك أيضاً على حصة كبيرة.
ويقول سوميا بهوميك، الباحث في مركز الدبلوماسية الاقتصادية الجديدة التابع للمؤسسة، إن "تعطل هذه الواردات لن يؤثر فقط على الاستهلاك، بل سيعطل عملية الإنتاج نفسها"، معتبراً أن ذلك يعكس الصعوبة التي تواجهها الهند في استبدال المدخلات الصينية بالإنتاج المحلي.
وإلى جانب الاعتماد المتزايد على المدخلات والمواد الخام، تدفع اتجاهات اقتصادية كلّية أخرى أيضاً نحو زيادة الواردات الصينية إلى الهند.
فالصين تمتلك طاقات إنتاجية فائضة ضخمة في قطاعات تتراوح من الصلب إلى الألواح الشمسية والسيارات الكهربائية، في وقت لا يستطيع اقتصادها المتباطئ استيعاب كل هذا الإنتاج.
ولهذا يتجه المصنعون الصينيون بصورة متزايدة إلى الأسواق الخارجية، ويبيعون منتجاتهم بأسعار منخفضة، ومن المتوقع أن يتجاوز الفائض التجاري الصيني تريليون دولار للعام الثاني على التوالي.
ويصل جزء كبير من هذه السلع إلى السوق الهندية بسبب التوسع السريع في التصنيع عبر قطاعات مختلفة من الاقتصاد، وكذلك لأن "الأسواق الغربية تفرض رسوماً جمركية وقيوداً أخرى"، بحسب سريفاستافا.

صدر الصورة، Bloomberg via Getty Images
في المقابل، لا يزال ضعف الوصول إلى السوق الصينية يمثل تحدياً رئيسياً أمام الشركات الهندية.
يقول كيفن زونغتشه لي، إن "المنتجات الهندية تواجه مجموعة من العوائق الجمركية وغير الجمركية في الصين، ما يجعل من الصعب زيادة الصادرات على نطاق واسع".
ويضيف: "إذا استمر تطبيع العلاقات من دون دفع جاد نحو إتاحة متبادلة للأسواق، فقد تواجه الهند وضعاً تتحسن فيه العلاقة السياسية بينما يظل الاعتماد الاقتصادي على حاله".
يقول سريفاستافا إن الحل طويل الأمد، سواء لتقليص الواردات التي يمكن تجنبها أو لتحسين أداء الصادرات، يكمن في تعزيز قطاع التصنيع.
لكن ذلك يتطلب سياسة صناعية مخصصة لكل قطاع، إلى جانب تحسين الأسس الاقتصادية، مثل توفير الطاقة والائتمان بأسعار معقولة، ورفع كفاءة الخدمات اللوجستية، وضمان استقرار القواعد التنظيمية، وهي مجالات لا تزال الهند تعاني من أوجه قصور فيها.
أيضاً، خففت الهند مؤخراً من قواعد الاستثمار الأجنبي المباشر، وهو ما قد يفتح الباب أمام شركات صينية ترغب في توسيع استثماراتها في الهند، لكن سريفاستافا يرى أن هذه الاستثمارات بدورها تحتاج إلى تدقيق كبير.
يقول: "الاستثمارات التي تقتصر على توسيع شبكات التوزيع أو تجميع المنتجات باستخدام مكونات صينية قد تؤدي إلى زيادة الواردات وتعميق الاعتماد، ولذلك ينبغي أن تركز الموافقات على نقل التكنولوجيا، وزيادة القيمة المضافة المحلية، وإنتاج المكونات محلياً، والتصدير من الهند".
على المدى الأقرب، يرى أن بإمكان الهند التركيز على زيادة صادراتها إلى الصين في قطاعات محددة لتقليص الاختلال التجاري بين البلدين، وقد يكون قطاع الأدوية من المجالات المناسبة، في ظل شيخوخة سكان الصين وارتفاع تكاليف الرعاية الصحية.
لكنه يضيف: "تقليص عجز يبلغ 112 مليار دولار لن يتحقق بمجرد العثور على قطاعات تصديرية محدودة".
ويتابع: "السؤال الأساسي هو ما إذا كانت بكين مستعدة وراغبة في تقديم تنازلات بشأن الوصول إلى السوق في إطار التطبيع الأوسع للعلاقات، وإلا فستحتاج الهند إلى إيجاد أدوات ضغط خاصة بها لفرض فتح هذا النقاش".




























