هل تستطيع التمييز بين ما يكتبه الإنسان وما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟

صورة لامرأة وروبوت يعملان معاً في المكتب.
    • Author, هيفار حسن
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 7 دقائق

تتصفح الإنترنت، فيلفت انتباهَك مقالٌ أو نَصٌّ ما فتقرؤه. لكن هل تساءلت يوماً مَن هو كاتبه الحقيقي؟ أهو إنسان أم روبوت؟

لو طُرح ذلك قبل بضع سنوات، لكان هذا السؤال يبدو ضرباً من الافتراض، لكنه أصبح اليوم جزءاً من تجربة القراءة اليومية على الإنترنت.

فقد فحصت دراسة جديدة تحت عنوان "ما مقدار المحتوى المكتوب بالذكاء الاصطناعي على شبكة الإنترنت؟" أجراها مركز بيو (PEW) للأبحاث في الولايات المتحدة - مئات الآلاف من النصوص والمواد المنتشرة على الإنترنت، لقياس مدى تكرار ظهور علامات تشير إلى أن محتوى ما قد أُنشئ أو عُدّل باستخدام الذكاء الاصطناعي.

حللت الدراسة التي نُشرت في 20 أغسطس/آب، نحو 490 ألف صفحة ويب باللغة الإنجليزية، فوجدت أن نحو عشرة في المئة من جميع الصفحات التي نشرت في عيّنة يوليو/تموز 2026 أظهرت مؤشرات قوية على إنشائها بالذكاء الاصطناعي، بينما تجاوزت النسبة الثلث بين الصفحات المنشورة بعد إطلاق النسخة الأحدث من تشات جي بي تي. وهذا يكشف مدى تحول الذكاء الاصطناعي اليوم إلى سمة أساسية في عملية إنشاء المحتوى.

لكن هل نستطيع بالفعل التمييز بين ما يكتبه الإنسان وما ينتجه الذكاء الاصطناعي؟

أيضاً، مَن الأكثر استخداماً لهذه التقنيات؟ والأهم، ماذا عن المحتوى العربي؟ هل يسير استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاجه بالوتيرة نفسها التي نشهدها في المحتوى باللغة الإنجليزية؟

هل هناك بصمة للذكاء الاصطناعي في النَّص؟

لا يترك الذكاء الاصطناعي بالضرورة علامة واضحة تقول إن هذا النص مولَّد آلياً، وبدلاً من ذلك، يتقصّى الباحثون مجموعة من المؤشرات اللغوية والأسلوبية مثل الكلمات المستخدمة وطريقة تركيب الجمل وعلامات الترقيم وأنماط الكتابة المتكررة.

هدى بوعمر، وهي خبيرة في معالجة اللغة الطبيعية وتعلّم الآلة، وأستاذة مشاركة في جامعة كارنيغي ميلون في الدوحة، توضح رؤيتها حول كيفية التمييز بين المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي والمحتوى الذي يكتبه الإنسان دون تدخل آلي، وتقول لبي بي سي نيوز عربي: "نظرياً، يمكن اكتشاف النصوص التي ينتجها الذكاء الاصطناعي، لكن المهمة تزداد صعوبة مع تطور النماذج. ففي الإنجليزية، الأدوات أكثر تطوراً بينما لا تزال محدودة في العربية بسبب غياب مجموعات بيانات مرجعية كبيرة من ناحية، وتنوع الأنماط الكتابية العربية مثل الفصحى والعامية المكتوبة من ناحية أخرى، علاوة على ذلك، النصوص المولّدة آلياً قد تبدو أكثر كمالاً من الكتابة البشرية، ما يجعل التمييز بينها وبين النصوص البشرية أكثر تعقيداً".

وبحسب الدراسة، تضاعف استخدام علامة ( ـــ )الشرطات الطويلة تقريباً، منذ عام 2023، كما زاد استخدام كلمات وعبارات معينة حددها الباحثون بوصفها سمات مرتبطة بالنصوص المولّدة بالذكاء الاصطناعي.

لكن الدراسة تؤكد أن علامة واحدة بمفردها لا تستطيع إثبات أن نَصاً ما كُتب بواسطة الذكاء الاصطناعي، فالفكرة هي جمع عدد من المؤشرات لتقدير احتمال وجود مشاركة للذكاء الاصطناعي.

التعليق على الفيديو، هل يسرق الذكاء الاصطناعي روح الموسيقى؟

هل يفهم الذكاء الاصطناعي تنوّع اللغة العربية؟

صورة لحروف عربية ملونة.
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

ترى هدى بوعمر أن اللغة العربية تواجه تحديات مع الذكاء الاصطناعي أكثر من اللغات الأخرى، "بسبب قلة كمية البيانات الرقمية المتاحة باللغة العربية اللازمة لتدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي مقارنة بالإنجليزية".

كذلك، فإن التنوع الكبير بين الفصحى واللهجات وتعقيد تركيب الكلمات وقلة البيانات الموثوقة خصوصاً باللهجات العربية، كلها عوامل تجعل أنظمة الذكاء الاصطناعي تفهم الإنجليزية وتتعامل معها بشكل أفضل في كثير من الحالات، وفقاً لهدى بوعمر، التي عملت مع عدد من زملائها على مشروع MADAR وهو عبارة عن (تطبيقات وموارد تدعم لهجات عربية متعددة) بهدف بناء موارد ومدونات موازية تغطي عشرات اللهجات العربية.

من ناحية أخرى، تقول نهى ميللر، وهي بروفسورة في جامعة الشارقة وباحثة متخصصة في الإعلام العربي والصحافة الرقمية، لبي بي سي نيوزعربي: "صحيح أن فهم الذكاء الاصطناعي للغة العربية آخذٌ في التحسن، لكن التحدي لا يقتصر على اللغة فقط بل يشمل الثقافة أيضاً. فقد تنتج نَصاً سليماً لغوياً لكنه يعكس مرجعيات غربية أكثر من العربية. ناهيك عن أن الأنظمة العربية نفسها تواجه صعوبة في فهم بعض اللهجات بسبب التنوع الثقافي واللغوي الكبير في العالم العربي".

صورة تعبيرية لجريدة إخبارية وفوقها علامة AI

نزار حبش - وهو بروفسور في علوم الكمبيوتر في جامعة نيويورك أبوظبي وباحث متخصص في الذكاء الاصطناعي ومعالجة اللغة العربية رقمياً - يرى أن التحدي وتأثير الذكاء الاصطناعي بالنسبة للغة العربية "يتمثل في الازدواجية بين اللهجات والفصحى، لأن الأخيرة ليست اللغة الأم التي يكتسبها الناس بصورة تلقائية ويحتاج إتقان الكتابة بها إلى الكثير من التدريب والممارسة، وبما أن قراءة أي نص وتقييمه أسهل من كتابته من الصفر، فهنا يأتي دور أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي التي تقدم مساعدة هائلة ألا وهي خفض عتبة الكتابة بالفصحى وإتاحة التعبير لعدد أكبر من الناس عن أفكارهم بلغة سليمة، وهذا في اعتقادي هدية حقيقية للغة العربية".

تعزيزٌ للإبداع أم إضعافٌ للمهارة؟

روبوت يشير إلى خطأ في نص يكتبه أحد الأشخاص.

بعد إطلاق تشات جي بي تي، بات عدد من مستخدمي اللغة العربية - مثل غيرهم من مستخدمي اللغات الأخرى - يعتمدون على الذكاء الاصطناعي في صياغة بعض رسائل البريد الإلكتروني والرسائل النصية وحتى في الترجمة بدلاً من أدوات الترجمة التقليدية وإنشاء محتوى من الصفر.

ورغم عدم وجود إحصاءات خاصة بمستخدمي اللغة العربية، إلا أن البروفسور حبش يعتقد أن استخدامات الذكاء الاصطناعي لا تختلف كثيراً عن اللغات الأخرى، وبخاصة في المراسلات وتنقيح الأسلوب وتصحيح الأخطاء والترجمة، إلى جانب إعداد الوثائق الرسمية وتلخيص النصوص وتوليد مسودات أولية للمحتوى.

يرى حبش أن فائدته في العربية قد تكون أكبر، لأنه يساعد المستخدم على الانتقال من الفكرة أو اللهجة المحكية إلى نص فصيح وواضح.

إذاً، هل بإمكاننا القول إن مجرد الاستعانة بإحدى تقنيات الذكاء الاصطناعي يجعل المستخدم (البشري) أكثر براعة في صياغة الكلمات أم يقلل من القدرة على تطوير الأفكار الخاصة به والتعبير عنها؟

إن الخطر حقيقي، لكنه يعتمد على طريقة الاستخدام، وفقاً للبروفسور نزار: "الذكاء الاصطناعي هو مجرد أداة، يمكن استخدامه كبديل عن التفكير ومحاورة أفكارنا واختبارها وتوسيعها. من يستخدمه لإنتاج أفكار لا يفهمها قد يبدو بليغاً من دون أن يمتلك مضموناً حقيقياً، ومن يستخدمه لمراجعة أفكاره وتحدّيها قد يصبح أكثر دقة وإبداعاً، وهذه المشكلة سبقت الذكاء الاصطناعي".

التعليق على الفيديو، باحث في أنثروبيك يستقيل ويحذّر من مخاطر الذكاء الاصطناعي على البشرية

هل سيغير الذكاء الاصطناعي طريقة كتابة البشر؟

ربما يكون هذا هو السؤال الأهم في القصة كلها.

فالمشكلة ليست فقط أن الآلات أصبحت قادرة على تقليد الكتابة البشرية بل ماذا يحدث عندما يبدأ البشر أنفسهم في الكتابة بالطريقة التي تقترحها الآلات، وهل يُمكن للكتابة المُولّدة بالذكاء الاصطناعي أن تُؤثر على أسلوب كتابة الصحفيين والكتّاب باللغة العربية؟

تقول البروفسورة نهى ميللر، إن احتمال توليد العربية الاصطناعية، واردٌ جداً.

لكنها تؤكد "أننا بحاجة إلى دراسات مطولة لإثبات هذه الاحتمالية، وعلى أية حال فإن الأنظمة الحالية تميل إلى توليد محتوى باللغة الفصحى أكثر من محاولة فهم جميع اللهجات، وعلى الأرجح، قد يؤدي ذلك إلى ظهور نمط من الكتابة الرقمية يميل أكثر إلى العربية الفصحى، فضلاً عن أن الدراسات الموجودة حالياً تشير إلى استخدام عدد من الصحفيين العرب، الذكاء الاصطناعي في الترجمة والتلخيص والتحرير، وهذا كله يؤثر على الأسلوب الصحفي".

لكن في الوقت نفسه، ترى ميللر أن العلاقة تفاعلية، أي أن "الذكاء الاصطناعي يتعلم من لغة الصحفي والصحفي بدوره يستخدم الذكاء الاصطناعي في الكتابة. لكن قد يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى التكرار أو تشابه الأساليب اللغوية".

إذاً، هل سيكون تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الكتابة باللغة العربية إيجابياً أم سلبياً؟

يقول البروفسور نزار حبش، إن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي مزيج من الفرصة والقلق، مع ميل واضح إلى الإيجابية. فبحسب رأيه، يمثل الذكاء الاصطناعي تطوراً بالغ الأهمية من ناحية تشجيع العرب على استخدام العربية بدلاً من التحول إلى الإنجليزية أو الفرنسية، لكنه يثير في الوقت نفسه مخاوف جدّية بشأن تراجع الإبداع والمعرفة الأساسية والقدرة على الاحتفاظ بالمعلومات والتفكير المستقل.

بعبارة أخرى، يرى حبش أن المستقبل الإيجابي لا يكمن في تولّي الذكاء الاصطناعي الكتابة نيابةً عنا، بل في مساعدتنا على أن نكتب ونفكر بصورة أفضل.

روبوت يقرأ كتاباً محاولاً حفظ محتواه.

كيف نجعل الذكاء الاصطناعي أكثر فهماً للعربية وتنوعها؟

يحتاج تطوير الذكاء الاصطناعي باللغة العربية إلى تغيير في طريقة تصميم هذه الأنظمة وليس فقط إلى زيادة كمية البيانات، بحسب هدى بو عمر.

وتقول: "إن العربية ليست لغة واحدة بل تشمل الفصحى ولهجات متعددة تختلف من بلد إلى آخر. لذلك، يجب تدريب الأنظمة على نصوص حقيقية من هذه اللهجات والاستعانة بباحثين ومتحدثين عرب من مناطق مختلفة منذ المراحل الأولى للتطوير. كما أن دعم الأبحاث العربية في هذا المجال يمكن أن يساعد في بناء أنظمة تفهم اللغة والثقافة العربية بشكل أفضل، بدلاً من الاكتفاء بتعريب تقنيات صُمّمت أساساً للغة الإنجليزية.

في النهاية، قد يجعل الذكاء الاصطناعي الكتابة بالفصحى أسهل، ويمنح مزيداً من الناس فرصة للتعبير عن أفكارهم بالعربية. لكنه في المقابل يطرح أسئلة أعمق حول الإبداع والتفكير المستقل، وما إذا كانت الكتابة التي تنتجها الآلات ستجعل نصوصنا أكثر تشابهاً.

ويبقى السؤال مفتوحاً: عندما نقرأ نصاً عربياً بعد سنوات من الآن، هل سنسأل مَن كاتب النص أم مَن صاحب الفكرة؟