"كل من حولي لا يفهمون ما أشعر به": كيف تختبر النساء انقطاع الطمث؟

امرأة ترتدي بدلة صفراء ذات صفّين من الأزرار، وتحمل باقة من أوراق الخريف الصفراء والحمراء
    • Author, بتول حبيبه
    • Role, بي بي سي عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

"كنت أتمنى لو أنّي كنت مطلعة أكثر على الأعراض التي سأمر بها، ولو أنّي علمت أنها شائعة بين العديد من السيدات".

بهذه الكلمات تلخص ناديا، الاسم المستعار لسيدة تبلغ من العمر 52 عاماً، جانباً من تجربتها مع انقطاع الطمث، وهي المرحلة التي وجدت نفسها خلالها أمام تغييرات جسدية ونفسية لم تكن تعلم كيف تتعامل معها، فيما بدا المحيطون بها عاجزين عن فهم ما تمر به.

وتروي ناديا لبي بي سي أن زيادة الوزن والهبات الساخنة التي كانت تشتد أحياناً خلال الليل، أثرت على قدرتها على النوم، كما رافقتها حالة من التوتر وتقلبات المزاج، إلى درجة أنها كانت تتعجب من ردود فعلها.

وتقول: "كل من حولي لا يفهمون ما أشعر به، أحياناً كثيرة كان مزاجي متقلباً، حتى أنني كنت أستغرب ذلك".

ولم تكن صعوبة التجربة مرتبطة بالأعراض الجسدية وحدها، بل امتدت إلى محاولة فهم التغييرات التي طرأت على حياتها، في ظل نقص المعرفة المسبقة بما قد يصاحب هذه المرحلة.

ورغم لجوئها إلى المساعدة الطبية، تشير ناديا إلى أن أكثر ما ساعدها كان تقبل المرحلة التي تمر بها وإدراكها بأنها جزء من التغييرات التي قد تواجهها المرأة خلال حياتها.

وتعكس تجربتها جانباً من التحديات التي تواجه النساء خلال الانتقال إلى سن اليأس، وهي مرحلة لا تقتصر على انقطاع الدورة الشهرية، بل تترافق مع تغييرات هرمونية وجسدية ونفسية متداخلة، تؤثر على النوم والمزاج وجودة الحياة.

الجهاز التناسلي الأنثوي
سيدة تعاني من الهبات الساخنة واضطراب في النوم

وتوضح تمارا جبر أخصائية النسائية والتوليد، أن انقطاع الطمث يرتبط بتوقف عمل المبيضين، وما يرافقه من توقف تزويد الجسم بهرموني الإستروجين والبروجسترون، الذي يحدث عادة في سن الخمسين، مع اختلاف التوقيت من سيدة لأخرى.

وتشير في حديثها لبي بي سي، إلى أن فهم هذه المرحلة لا ينبغي أن يقتصر على غياب الدورة الشهرية، إذ إن انخفاض مستوى الهرمونات ينعكس على وظائف متعددة في الجسم، لا سيما الإستروجين الذي يؤدي أدواراً مهمة في صحة العظام والوظائف التناسلية والجسدية الأخرى.

ومن الأعراض التي قد تواجه النساء خلال هذه المرحلة، هي الهبات الساخنة واضطرابات النوم، وهي أعراض تؤثر بدورها على المزاج والقدرة على ممارسة الأنشطة اليومية، وفق جبر.

وتنسجم هذه الأعراض مع ما روته ناديا عن صعوبة النوم والتوتر وتقلبات المزاج التي رافقت تجربتها.

وتلفت جبر إلى أن انخفاض مستويات الإستروجين، يرتبط أيضاً بزيادة فقدان كثافة العظام، ما يرفع خطر الإصابة بهشاشة العظام والتعرض للكسر، فضلاً عن احتمال ظهور أعراض في الجهاز البولي والتناسلي، مثل الجفاف والتهيج وبعض الالتهابات.

وتؤكد أهمية المتابعة الطبية لتقييم المخاطر الصحية واختيار الفحوصات والعلاجات المناسبة لكل امرأة، بدلاً من التعامل مع الأعراض باعتبارها أمراً لا يستدعي الاهتمام لمجرد ارتباطه بسن اليأس.

"حلقة مغلقة"

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

ولا تتوقف آثار هذه المرحلة عند التغييرات الجسدية، إذ يمكن للألم المستمر أن يضيف عبئاً نفسياً إلى ما تعيشه المرأة من تغييرات.

وتوضح الأخصائية النفسية سيرين الخطيب لبي بي سي، أن الألم المزمن بعد انقطاع الطمث قد يؤثر بوضوح على الصحة النفسية.

وتشير إلى أن بعض الدراسات تقدر نسبة النساء اللاتي يعانين أعراض القلق والاكتئاب بنحو الثلث، وقد تصل النسبة إلى 40 في المئة من السيدات.

وتبين الخطيب أن هذه المعاناة لا يمكن ربطها بالتغييرات الهرمونية فقط، بل تتداخل معها زيادة الحساسية للألم والضغوط النفسية وتأثير هذه الأعراض على حياتهن اليومية.

وتقول إنه عندما يستمر الألم، قد تشعر المرأة بأنها فقدت السيطرة على على جسدها وعلى تفاصيل يومها، الأمر الذي يعزز الإحساس بالعجز والإحباط.

وتشرح أن العلاقة بين الألم والتوتر متبادلة، فالألم الجسدي قد يزيد التوتر، فيما يؤدي التوتر إلى زيادة الإحساس بالألم. ويرتبط ذلك، وفقاً للخطيب، بتداخل شبكات معالجة الألم والمشاعر في الدماغ، إذ يمكن للقلق واليقظة الزائدة أن يزيدا من شدة الإحساس بالألم.

وتضيف أن اضطرابات النوم قد تعمق هذه الحلقة، فالألم يؤثر على جودة النوم، وقلة النوم تزيد التوتر، ثم يعود التوتر ليزيد الإحساس بالألم، كأنها تدور في حلقة مغلقة. وذلك يجعل التعامل مع أحد هذه العوامل بمعزل عن الآخر أقل فاعلية في بعض الحالات.

"جسدي أصبح عبئاً"

ويمتد تأثير انقطاع الطمث، وفق الخطيب، إلى صورة المرأة عن نفسها وعلاقتها بالآخرين. فالتغيرات الجسدية إلى جانب الألم واضطرابات النوم وتبدل المزاج، قد تدفع بعض السيدات إلى الشعور بأنهن أقل أنوثة وجاذبية، حتى أن بعض السيدات يصفن أنفسهن بأنهن "خفيات" وأن جسدهن أصبح "عبئاً".

وتحذر الخطيب من أن الصورة النمطية التي تصف السيدات بأنهن "عاطفيات" أو "مبالغات" قد تدفع بعضهن إلى التردد في طلب المساعدة النفسية، فضلاً عن الثقافة الشائعة بأن الألم والتغييرات النفسية أمور طبيعة لا تتطلب التدخل.

وتقول البروفيسورة روسيلا نابي، رئيسة الجمعية الدولية لانقطاع الطمث، إنه "غالباً ما يتم تجاهل آلام النساء استناداً إلى صور نمطية قائمة على النوع الاجتماعي، حيث تُصنف على أنها عاطفية بدلاً من إخضاعها للتشخيص والعلاج الملائمين".

وتضيف: "ينبغي الاعتراف بالألم المزمن في منتصف العمر كعنصر جوهري في رعاية مرحلة انقطاع الطمث، وهو ما يتطلب تبني نهجٍ يراعي الفروق بين الجنسين، ويقوم على خطط علاجية فردية ومتعددة التخصصات".

والجمعية الدولية لانقطاع الطمث، أسست "اليوم العالمي لسن اليأس" في عام 2009، الذي يصادف الثامن عشر من أكتوبر/تشرين الأول من كل عام، بهدف رفع الوعي حول هذه المرحلة.

وتتحدث الجمعية هذا العام عن الألم المزمن الذي يرافق النساء في منتصف العمر، الذي يؤثر على نسبة كبيرة من النساء خلال مرحلة الانتقال إلى سن اليأس وما بعدها.

المتابعة الطبية

وتؤكد الدكتورة تمارا جبر أن المتابعة الصحية خلال هذه المرحلة تساعد على تقييم صحة المرأة والكشف عن المشكلات التي قد تتطور بصمت، لا سيما ما يتعلق بصحة العظام.

وتوضح أن الفحوصات المطلوبة تشمل تقييم كثافة العظام باستخدام فحص "ديكسا"، إلى جانب فحوصات مخبرية محددة.

وتشدد على أهمية الالتزام ببرامج الكشف المبكر عن سرطان الثدي وعنق الرحم، حيث يرتفع خطر الإصابة بهما بعد انقطاع الطمث.

وفيما يتعلق بالعلاج الهرموني، تلفت جبر إلى أنه يعمل على تعويض الهرمونات التي لم تعد موجودة طبيعياً في الجسم.

وتؤكد أنه ليس خياراً موحداً للجميع، إذا تتوقف ملاءمته على طبيعة الأعراض والعمر والتاريخ الطبي، بما في ذلك الإصابة السابقة بالسرطان والجلطات وأمراض القلب والأوعية الدموية.

أما عن انقطاع الطمث المبكر وهو حالة مختلفة تماماً، فتنصح الطبيبة بإعطائهن العلاج الهرموني لحمايتهن من مشاكل قد يتعرّضن لها في سن مبكر، كالإصابة بهشاشة العظام مبكراً.

وإلى جانب المتابعة الطبية، تشير الخطيب إلى أدوات نفسية يمكن أن تساعد النساء على التعامل مع الألم والتغييرات المصاحبة لسن اليأس، ومن بينها العلاج المعرفي السلوكي المخصص للألم، إضافة لعلاج القبول والالتزام.

ويمكن أن تدعم هذه الأساليب، وفقاً للخطيب، إجراءات أخرى، مثل تنظيم النوم والقيام بنشاط بدني يتناسب مع الحالة الصحية للسيدة.

وتقول للسيدات إن "المعاناة ليست ضعفاً. وطلب المساعدة ليس استسلاماً. ولا يطلب منك أن تكوني قوية بصمت".

أما ناديا، فتعود إلى أهمية المعرفة والاستعداد، معتبرة أن الاطلاع المسبق على الأعراض الشائعة كان سيساعدها على فهم ما يحدث معها بصورة أفضل.

وتنصح النساء بالاهتمام بصحتهن وتثقيف أنفسهن حول المرحلة، واستشارة الطبيب بشأن الأعراض والعلاجات المناسبة، إلى جانب تقبل التغيرات التي يمررن بها.