You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
بي بي سي ترصد سفناً محتجزة وصيادي أسماك قرش في مضيق هرمز مع عودة هدوء حذر
- Author, نوال المقحفي
- Role, مراسلة التحقيقات الدولية في بي بي سي الخدمة العالمية
- Reporting from, بندر عباس - إيران
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
في يوم صيفي شديد الحرارة، كان الصيادون يفرغون ما اصطادوه على أرصفة الميناء.
يرفع أحدهم بفخر عدداً من صغار أسماك القرش العالقة في شباكه، موضحاً أن شطائر سمك القرش تُعد من الأطباق المحلية المفضلة. وفي مكان قريب، ينطلق آخر على دراجته النارية، وقد علّق عليها سمكتين كبيرتين.
للوهلة الأولى، يبدو المشهد كأي ميناء صيد عادي. لكن هذه الأرصفة تقع في بندر عباس، المدينة الإيرانية المطلة على مضيق هرمز، أحد أهم ممرات الشحن في العالم، ونقطة محورية في الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
وهذه هي المرة الأولى التي يزور فيها صحفيون دوليون الجانب الإيراني من المضيق منذ بدء النزاع.
عندما شنت الولايات المتحدة وإسرائيل هجمات في 28 فبراير/شباط، رد النظام الإيراني بمهاجمة إسرائيل ودول خليجية مجاورة تستضيف قوات أمريكية، وحوّل موقعه الجغرافي إلى أحد أبرز أوراق الضغط لديه.
وبدأ الحرس الثوري الإيراني بإطلاق النار على سفن تجارية كانت تحاول عبور المضيق من دون إذن منه، ما جعل الممر المائي، فعلياً، غير قابل للملاحة.
وتقطعت السبل ببحارة من مختلف أنحاء العالم، فيما ارتفعت أسعار النفط، دافعة معها كلفة الطاقة والوقود، فضلاً عن مجموعة واسعة من السلع التي تُنقل بحراً حول العالم.
وردت الولايات المتحدة بفرض حصار من جانبها، مستهدفة أي سفن تستخدم الموانئ الإيرانية في الخليج.
ونتيجة لذلك، أصبحت هذه المياه شديدة الخطورة على الصيد طوال أشهر. فتوقف كثير من الصيادين عن الخروج إلى البحر، بينما واصل آخرون عملهم، وهم يدركون أنهم يتجهون إلى ساحة قتال.
والآن، بعد أسابيع من سماح إيران بإعادة فتح جزئية للمضيق، بموجب اتفاق لوقف إطلاق النار مع الولايات المتحدة لا يزال صامداً إلى حد كبير، عاد الهدوء إلى البحر، وبدأ الصيادون يعودون إليه.
واصطحب أحد هؤلاء الصيادين، ويدعى عبد الرحمن، بي بي سي في جولة عبر المضيق، لإلقاء نظرة عن قرب على الطريقة التي أثرت بها الحرب على الحياة في بندر عباس ومحيطها.
وبينما كنا نبحر في المضيق، ظهرت أمامنا سفينتا حاويات كان الحرس الثوري الإيراني قد احتجزهما في أبريل/نيسان، في ذروة النزاع.
وقال الحرس الثوري حينها إن السفينتين عرّضتا الأمن البحري للخطر "بعملهما من دون التصاريح اللازمة، والتلاعب بأنظمة الملاحة".
وعلى الرغم من وقف إطلاق النار، لم يُفرج بعد عن السفينتين "إم إس سي فرانشيسكا" و"إبامينونداس"، اللتين ترفعان علمي بنما وليبيريا على التوالي.
وكان بالإمكان رؤية عشرات سفن الشحن الأخرى قبالة الساحل، وهي تنتظر إذناً من السلطات الإيرانية لعبور المضيق.
ومع اقترابنا من جزيرة هرمز، الواقعة على بعد ثمانية كيلومترات من ساحل بندر عباس، أشار مرشدنا عبد الرحمن إلى قلعة قديمة تطل على البحر.
وتبدو جدرانها الحمراء التي نال منها الزمن تذكيراً بأن السيطرة على المضيق كانت موضع صراع على مدى قرون. فقد بُنيت القلعة في أوائل القرن السادس عشر، وكانت عنصراً أساسياً في سيطرة الإمبراطورية البرتغالية على هذا الممر المائي الحيوي، إلى أن طُرد البرتغاليون عام 1622 على يد شاه عباس الأول الصفوي، الذي سُميت بندر عباس باسمه.
ولا تزال بندر عباس اليوم تحتفظ بالأهمية الاستراتيجية نفسها. فالمدينة، الواقعة على الساحل الجنوبي لإيران قرب أضيق نقطة في المضيق، تضم البحرية الإيرانية، والذراع البحرية للحرس الثوري الإيراني.
وفي أوقات السلم، تمر عبر هذه المياه نحو خُمس شحنات النفط والغاز في العالم، ما يجعل المدينة محورية للاقتصاد العالمي، وعنصراً أساسياً في العقيدة العسكرية الإيرانية القائمة على "الحرب غير المتكافئة"، والمصممة لمواجهة خصوم أكثر قوة.
وقد هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مراراً بتصعيد النزاع، محذراً من أن إيران "لن يكون لديها بلد" إذا لم تُعد فتح المضيق.
لكن، وعلى الرغم من تهديداته ووقف إطلاق النار، لم تُعد إيران فتح المضيق بشكل كامل، ويقول محللون إنه لا يزال يشكل ورقة ضغط رئيسية لطهران في المحادثات الجارية للتوصل إلى اتفاق سلام دائم بين الولايات المتحدة وإيران.
وعندما وصلت بي بي سي إلى مدينة بندر عباس، كانت هناك مؤشرات على عودة الحياة إلى طبيعتها.
فقد عادت العائلات إلى منازلها، وأعادت المتاجر فتح أبوابها، وامتلأت الشوارع مجدداً بحركة السير.
أما السوق، الذي ظل على مدى قرون نقطة وصول البضائع بحراً قبل انتقالها إلى جنوب إيران، فعاد يعجّ بالحركة.
لكن آثار الحرب لا تزال واضحة في مكان قريب.
ففي شارع خوشنودي، خلف الجامعة الرئيسية في بندر عباس، تحول مبنى سكني إلى ركام. وكان المبنى قد تعرض لضربة إسرائيلية في 26 مارس/آذار.
ولا يزال نصف المبنى قائماً، بينما انهار النصف الآخر وتحول إلى كومة من الخرسانة والمعادن الملتوية.
وتظهر غرف مكشوفة كانت تعيش فيها عائلات، فيما ترفرف أعلام إيرانية على الواجهة المحطمة.
وكان المبنى يضم أيضاً بعض المكاتب. وكانت فاطمة، وهي صاحبة عمل تبلغ من العمر 40 عاماً وكانت تعمل هناك، في مكان آخر وقت وقوع الضربة.
وقالت: "كنت أعرف كثيراً من العائلات التي كانت تعيش هنا".
وأضافت: "كان هناك أمهات وأطفال. كانوا نائمين عندما وقع الهجوم. نجا بعضهم، لكن ثلاثة أشخاص قُتلوا. كان أحدهم ضابطاً عسكرياً يعيش هنا مع عائلته. لكنه لم يكن قاعدة عسكرية".
وقال الجيش الإسرائيلي إن الهدف المقصود كان قائد بحرية الحرس الثوري الإيراني، علي رضا تنغسيري. وبعد أربعة أيام من الضربة، أكدت إيران مقتله.
وأفادت وكالة فارس الإيرانية للأنباء بأن ثلاثة أشخاص قُتلوا وأُصيب سبعة آخرون عندما أصاب صاروخان المبنى.
ووفقاً للهلال الأحمر، قُتل 261 شخصاً، بينهم مدنيون وعسكريون، في محافظة هرمزغان، التي تُعد بندر عباس عاصمتها.
وتوضح هذه الضربة مدى التداخل بين الحياة المدنية والعسكرية، بما يطمس أحياناً الفاصل بين الأهداف العسكرية والمباني السكنية.
وبحسب بيانات جمعها مشروع بيانات مواقع وأحداث النزاعات المسلحة "أكليد"، وقعت ما لا يقل عن 96 ضربة أمريكية منفصلة في بندر عباس ومحيطها، بين 28 فبراير/شباط ودخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 8 أبريل/نيسان.
ويقول المشروع إن أكثر من ثلث هذه الضربات أُفيد بأنها استهدفت بنى تحتية عسكرية، بينها منشآت تابعة للحرس الثوري الإيراني، ومواقع صواريخ، وأصول بحرية، والقاعدة الجوية في مطار بندر عباس الدولي. ويقع كثير من هذه المواقع بالقرب من أحياء سكنية.
ولم يتمكن مشروع "أكليد" من التحقق مما استُهدف في هجمات أخرى.
وقُتل خلال الحرب قادة إيرانيون بارزون في الضربات الأمريكية الإسرائيلية، بينهم المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي، كما دُمرت بنى تحتية عسكرية واقتصادية، وتضرر البرنامج النووي الإيراني.
لكن رئيس بلدية بندر عباس يرفض القول إن الحرب تركت إيران في موقع ضعف.
وفي حديث إلى بي بي سي من مجمع حكومي تعلوه مئذنة ذهبية لامعة، قال مهدي نوباني إن إسرائيل والولايات المتحدة لم تحققا أهدافهما العسكرية، بما في ذلك تغيير النظام.
كما قال إن تعيين المرشد الأعلى الجديد، مجتبى خامنئي، نجل علي خامنئي، وحّد إيران بدلاً من أن يقسّمها.
وأضاف أنه إذا انهار وقف إطلاق النار، فإن "إيران ستغلق مضيق هرمز بالتأكيد".
وفي السوق، كان كثيرون ممن حاولت بي بي سي التحدث إليهم مترددين في الكلام معنا. ولم يوضح الجميع أسبابهم، لكن بعضهم قالوا إنهم لا يثقون بالطريقة التي تصور بها وسائل الإعلام إيران.
وفي نهاية المطاف، تحدثت إلينا شابة عادت مؤخراً من الإقامة في الصين، وقالت إنها رجعت لتكون إلى جانب عائلتها خلال النزاع.
وقالت: "لقد تكاتف الإيرانيون لدعم بعضهم بعضاً".
وفي مكان أبعد داخل الأزقة المتعرجة للسوق، تجلس فاطمة، البالغة من العمر 55 عاماً، لبيع الخوخ.
وتضم السوق أقساماً مخصصة لكل شيء تقريباً: أسماكاً طازجة جُلبت صباحاً من الخليج، وتموراً من جنوب إيران، وإلكترونيات مستوردة، وعطوراً، وأدوات منزلية، وملابس بندرية تقليدية.
وتقول فاطمة إن ابنها فقد عمله خلال الحرب، وإن العائلة تعتمد الآن على ما تجنيه من كشكها.
وأضافت: "لم نكن نريد حرباً. عندما تحدث التفجيرات، نشعر بالخوف. ترامب أراد الحرب. هاجمنا بشكل مفاجئ. لم نكن نريد ذلك".
وفي مكان قريب، تسمع معصومة، البالغة من العمر 40 عاماً، حديثنا فتشارك فيه.
وتقول: "كل حرب تخلق مشكلات. إنها تؤثر على الاقتصاد وحياة الناس. لكن علينا أن نتحلى بالصبر".
ومع استمرار المفاوضات، وتعرض وقف إطلاق النار للاختبار، من المرجح أن يبقى مضيق هرمز في صلب المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.
لكن بالنسبة إلى من يعيشون هنا، يُقاس النزاع بمعايير مختلفة: مصادر رزق فُقدت، وليالٍ قضوها تحت تهديد الضربات الجوية، وأمل في أن يصمد وقف إطلاق النار الهش.
مساهمة إضافية في إعداد التقرير: جاسمين داير
تعد نوال المقحفي هذا التقرير من طهران، بشرط عدم استخدام أي من موادها على خدمة بي بي سي الفارسية. وتنطبق هذه القيود على جميع المؤسسات الإعلامية الدولية العاملة في إيران.