You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
إيران ومضيق هرمز: ماذا تقول التجارب السابقة عن فاعلية الحصار البحري؟
- Author, بي بي سي فارسي
- مدة القراءة: 7 دقائق
شنت إيران هجمات بطائرات مسيرة على سفن عسكرية أمريكية في خليج عُمان، بحسب ما أفادت به وكالة تسنيم شبه الرسمية، وذلك بعد أن استولت البحرية الأمريكية على سفينة حاويات ترفع العلم الإيراني تُدعى "توسكا".
وقالت القيادة المركزية الأمريكية إن المدمرة "يو إس إس سبروانس" عطلت نظام الدفع في "توسكا" بعدما فشلت السفينة في الامتثال لتحذيرات متكررة من القوات الأمريكية على مدار ست ساعات، وبعد ذلك، غادر عناصر من مشاة البحرية الأمريكية سفينة الإنزال "يو إس إس تريبولي" بواسطة مروحيات، ونزلوا بالحبال على متن "توسكا".
ووفقاً لنظام التعريف الآلي، كانت "توسكا" على بُعد نحو 40 ميلاً بحرياً من ميناء تشابهار في جنوب شرق إيران، بعدما غادرت ميناء كلانغ في ماليزيا في 12 أبريل/نيسان.
وقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن السفينة تلقت "تحذيراً بالتوقف" بعد محاولتها عبور الحصار البحري الأمريكي المفروض على الموانئ الإيرانية.
وأضاف: "رفض طاقم السفينة الاستجابة، لذا أوقفتها سفينتنا الحربية فوراً عبر إحداث ثقب في غرفة المحركات".
وأوضح أن البحرية الأمريكية وضعت السفينة، البالغ طولها 290 متراً، تحت "السيطرة الكاملة"، وأشار إلى أنها كانت خاضعة لعقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية بسبب سجلها السابق من الأنشطة غير القانونية، مضيفاً أن عناصر مشاة البحرية يعملون على تفتيش ما على متنها.
وأعاد القرار الذي اتخذته الولايات المتحدة بفرض حصارها تسليط الضوء على واحدة من أقدم أدوات الإكراه في زمن الحروب: قطع الطرق البحرية لإضعاف الاقتصاد، وتعطيل التجارة، وإجبار الخصم على تغيير مساره أو تقديم تنازلات.
وتُظهر التجارب التاريخية أنه رغم قدرة هذه الإجراءات على ممارسة الضغط، فإن تأثيرها الأوسع أكثر تعقيداً بكثير، ففي بعض الحالات، ولا سيما خلال الحربين العالميتين، لعبت الحصارات البحرية دوراً مهماً في تقويض قدرة الدول على مواصلة القتال.
أما في حالات أخرى، بما في ذلك الحصار المفروض على غزة واليمن، فقد أسهمت في تعميق الأزمات الإنسانية دون تحقيق نتائج سياسية دائمة.
الحصار البريطاني لألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى
ويُعدّ الحصار البحري الذي فُرض على ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى مثالاً تقليدياً على ما يُعرف بـ"الحصار البعيد"، فبدلاً من إغلاق الموانئ الألمانية مباشرة، اعتمدت بريطانيا على سيطرتها في بحر الشمال للتحكّم بحركة الملاحة.
وقامت البحرية الملكية البريطانية بتفتيش السفن وممارسة الضغط على الدول المحايدة، ما أدى إلى عزل ألمانيا عن التجارة العالمية، ومع مرور الوقت، توسعت قائمة السلع المحظورة لتشمل، إلى جانب الإمدادات العسكرية، الغذاء والأسمدة.
في البداية، تمكنت ألمانيا من التخفيف من تأثير الحصار عبر التجارة مع الدول المحايدة والتكيف داخلياً، لكن مع إطالة أمد الحرب، تراجعت الواردات بشكل حاد، وأدت ندرة المواد الأساسية إلى انخفاض الإنتاج الزراعي والصناعي.
وكانت الآثار الاجتماعية قاسية، حيث إنه وبحلول عام 1916، تحولت أزمة الغذاء إلى كارثة، وأصبح ما عُرف بـ"شتاء اللفت" رمزاً للمعاناة، ويقدّر مؤرخون أن مئات الآلاف من المدنيين لقوا حتفهم نتيجة سوء التغذية والأمراض المرتبطة بها.
ورغم أن الحصار لم يكن السبب الوحيد لهزيمة ألمانيا، فإن المؤرخين يرونه على نطاق واسع عاملاً رئيسياً في إضعاف قدرة البلاد على مواصلة الحرب.
حصار "الحلفاء" على اليابان خلال الحرب العالمية الثانية
وجعل اعتماد اليابان على خطوط الإمداد البحرية منها دولة شديدة الهشاشة أمام الحصار. وبحكم كونها دولة جزيرية، كانت تعتمد على طرق الشحن لاستيراد النفط والمواد الخام والغذاء، وكذلك لإمداد قواتها عبر المحيط الهادئ.
ومنذ عام 1943، بدأت الغواصات الأمريكية تستهدف بشكل متزايد سفن الشحن اليابانية، فيما أدت عمليات زرع الألغام الجوية لاحقاً - ولا سيما عملية "المجاعة" - إلى تعطيل المزيد من الممرات البحرية الحيوية.
وبحلول السنوات الأخيرة من الحرب، كان الأسطول التجاري الياباني قد دُمر إلى حد كبير، وتشير التقييمات التي أُجريت بعد الحرب إلى أن هذا الانهيار كان عاملاً رئيسياً في تفكك اقتصادها الحربي.
وعلى عكس ألمانيا، لم يكن لدى اليابان طرق برية فعالة لتعويض هذا الضغط.
ورغم أن استسلامها جاء نتيجة عوامل متعددة - من بينها القصف الذري ودخول الاتحاد السوفيتي الحرب - فإن قطع خطوط الإمداد البحرية لعب دوراً حاسماً.
فرض "الطوق البحري" على كوبا عام 1962
تُظهر أزمة الصواريخ الكوبية استخداماً مختلفاً للضغط البحري، فقد تجنبت الولايات المتحدة عمداً وصف تحرّكها بأنه "حصار"، واستخدمت بدلاً من ذلك مصطلح "طوق بحري" لتفادي التداعيات القانونية.
وفي عهد جون إف كينيدي، نُشرت القوات البحرية الأمريكية لمنع وصول المعدات العسكرية السوفيتية إلى كوبا.
وكان الهدف محدوداً ودقيقاً: وقف نشر مزيد من الصواريخ وخلق ورقة ضغط للتفاوض مع موسكو.
استمرت العملية أقل من شهر، وعملت أساساً كوسيلة ردع. ومع تزايد خطر المواجهة، عادت بعض السفن السوفيتية أدراجها.
وبالتوازي مع دبلوماسية مكثفة، انتهت المواجهة بسحب الصواريخ السوفيتية من كوبا، وبشكل سري، سحب الصواريخ الأمريكية من تركيا. وبالنظر إلى هدفها المعلن، يُنظر إلى "الطوق البحري" على نطاق واسع باعتباره إجراءً فعّالاً.
عقوبات الأمم المتحدة البحرية على العراق
في أعقاب غزو العراق لـ الكويت عام 1990، فرض مجلس الأمن الدولي عقوبات واسعة، شملت إجراءات لمراقبة وتقييد حركة الملاحة البحرية.
واستمرت هذه القيود طوال تسعينيات القرن الماضي وحتى أوائل الألفية الجديدة، لتصبح جزءاً مهماً من الجهود الرامية إلى عزل العراق اقتصادياً وإجباره على الامتثال للمطالب الدولية.
ورغم أن وصول العراق إلى البحر كان محدوداً، فإن تطبيق الرقابة البحرية أسهم في الحد من صادرات النفط. ومع ذلك، سمحت الطرق البرية بالالتفاف على بعض العقوبات، ما قلّل من تأثير الحصار بمفرده.
عملياً، كانت هذه الإجراءات أكثر فاعلية عندما جرى دمجها مع عقوبات أوسع وضغوط عسكرية.
العقوبات المفروضة في البحر على يوغوسلافيا السابقة
خلال حروب البلقان، جرى تنفيذ عقوبات الأمم المتحدة ضد جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية في البحر عبر عمليات مشتركة نفذها حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي.
وفي البحر الأدرياتيكي بين عامي 1992 و1996، جرى تفتيش آلاف السفن، وتحويل مسار مئات منها أو إيقافها. وساعدت الطبيعة الجغرافية المحدودة نسبياً للمنطقة على جعل تطبيق هذه الإجراءات أكثر سهولة.
وقد عززت هذه العمليات فعالية العقوبات من خلال رفع كلفة انتهاكها، لكنها لم تُنهِ الصراع بمفردها.
إذ تطلّب التوصل إلى تسوية مزيجاً أوسع من الضغوط العسكرية والدبلوماسية.
حصار غزة
يُعد الحصار المفروض على قطاع غزة منذ عام 2007 جزءاً من منظومة أوسع من القيود على الحركة والتجارة والوصول إلى الموارد.
أما شقه البحري - الذي جرى تشديده منذ عام 2009 - فقد لعب دوراً رئيسياً في تقييد الوصول إلى البحر، وتقول إسرائيل إن هذه الإجراءات ضرورية لمنع تهريب الأسلحة، في حين ترى منظمات إنسانية أنها ألحقت أضراراً جسيمة باقتصاد غزة وظروف المعيشة فيها.
ولا يزال الوضع القانوني للحصار محل جدل، ففي رأي استشاري صدر عام 2024، أشارت محكمة العدل الدولية إلى استمرار المخاوف بشأن الأوضاع في الأراضي الفلسطينية.
ورغم استمرار الحصار لسنوات والذي فرض نوعا ما من الضغط، إلا أنه لم ينجح في منع تكرار موجات العنف في القطاع، ولم يؤدِ إلى تحقيق أمن دائم أو حل سياسي.
الحصار الذي تقوده السعودية لليمن
منذ عام 2015، فرض تحالف تقوده المملكة العربية السعودية قيوداً على موانئ اليمن ومجاله الجوي، بهدف الحد من تدفق الأسلحة إلى قوات الحوثيين.
ويعتمد اليمن بشكل كبير على الواردات، لذلك كان لهذه الإجراءات تأثير مباشر على المدنيين، وقد حذرت الأمم المتحدة مراراً من مخاطر المجاعة ونقص الوقود والضغوط على أنظمة الرعاية الصحية.
وكانت آليات التفتيش تهدف إلى تحقيق توازن بين المخاوف الأمنية والاحتياجات الإنسانية، إلا أن التأخيرات غالباً ما أدّت إلى تعطيل الإمدادات.
ورغم أن الحصار زاد الضغط على الحوثيين، فإنه لم يُفضِ إلى نتيجة حاسمة، بل أسهم في إطالة أمد الأزمة الإنسانية وجلب انتقادات دولية مستمرة.