"كأنّ قلبي وجد موطنه": العمرة كما اختبرتها امرأة صمّاء

مدة القراءة: 6 دقائق

تتذكر جاني حسين شعورها بالارتباك خلال أول رحلة لها إلى مكة عندما كانت في الثالثة عشرة من عمرها. وتقول: "أتذكر أنني رأيت والدتي تبكي، لكنني لم أفهم سبب بكائها، وكان ذلك شعوراً مؤلماً للغاية".

في كل عام، يتوجه ملايين الأشخاص إلى السعودية لأداء العمرة، وهي عبادة تطوعية يمكن للمسلمين أداؤها في أي وقت من العام، على خلاف الحج الذي يعد فريضة تؤدى مرة واحدة في العمر على الأقل لمن استطاع، وتقام دائماً في شهر ذي الحجة، وهو الشهر الأخير من التقويم الهجري. ويشمل كل من الحج والعمرة الطواف سبع مرات حول الكعبة، أقدس موقع في الإسلام.

بالنسبة لمعظم الناس، تبدو التجربة كفسيفساء من الأصوات: صدى الأذان يتردد بين جدران المسجد الحرام، ممزوجاً بجلبة خطوات الحشود وهمسات الدعاء التي يرددها آلاف الحجاج.

لكن بالنسبة لمجموعة من المسلمين، تكون التجربة أقرب إلى الصمت. يمكن أن نراهم وهم يلوّحون بمظلات حمراء، في محاولة للبقاء معاً وسط بحر من المعتمرين.

سافر هؤلاء من المملكة المتحدة إلى السعودية برفقة "مؤسسة الإشارة" الخيرية البريطانية، التي تهدف إلى جعل الشعائر الدينية الإسلامية متاحة لعدد أكبر من الأشخاص الصم. وفي رحلتهم، ترافقهم مترجمة لغة الإشارة الخاصة بهم زينم بستان.

ولدت جاني حسين صمّاء، ونادراً ما كانت تذهب إلى المسجد في طفولتها، إذ تقول إنها كانت "تجلس فحسب" من دون أن تتمكن من متابعة الخطب أو الشعائر أو الصلوات. ولذلك، تصف زيارتها الأولى إلى مكة مع عائلتها، عندما كانت في سن الثالثة عشرة، بأنها كانت "رحلة ضائعة". وتضيف: "لم أكن أعرف حتى ما هي الكعبة".

وتغيّرت علاقتها بالإسلام لاحقاً، عندما بلغت الخامسة والعشرين من عمرها، بعدما عثرت على خدمة دينية يقودها أشخاص صم بلغة الإشارة. وتقول إن تعاليم القرآن والأدعية أصبحت حينها واضحة، وتضيف: "كان كل شيء بصرياً".

ويصف عضوان آخران في المجموعة، رياض رفيق وزاهد ناصر، تجارب متشابهة. فقد أرسل ناصر في طفولته إلى مدرسة إسلامية مخصصة للسامعين، لكنه لم يتمكن من تعلّم القرآن بالطريقة المعتادة القائمة على التلاوة والتكرار. أما رفيق، فيقول إن فهمه لدينه لم يبدأ إلا بعد أن التقى مسلماً أصم آخراً خلال دراسته الجامعية، مضيفاً: "قبل ذلك، لم أكن أعرف حتى ما الطعام الذي يمكنني تناوله أو لا".

وكان رفيق يرفض دائماً عروض عائلته للذهاب إلى الحج أو العمرة، بسبب اعتماده على لغة الإشارة. لكن عندما علم بهذه الرحلة التي توفّر المرافقة الكاملة بلغة الإشارة، اقتنع أخيراً بالمشاركة، بعد أن شجعه أصدقاؤه قائلين له: "اذهب فحسب".

الرحلة إلى مكة

ما أن تصل المجموعة إلى مكة، حتى يترك المشهد أثره العاطفي على الفور.

قبل أن تتجه إلى الكعبة، تشرب جاني حسين من ماء بئر زمزم المباركة. وحين ترفع رأسها وتنظر إلى الكعبة، تجهش بالبكاء. أما زاهد ناصر، فيغمره شعور جارف عند رؤيته الكعبة للمرة الأولى. وبمساعدة جهاز قوقعة الأذن الذي يستخدمه، يستطيع أن يشعر باهتزاز الحشود من حوله. لكنه، مع بدء الطواف حول الكعبة، يختار إيقاف الجهاز عن العمل، مفضلاً السكون، كي يركّز في دعائه.

ويقول رياض رفيق إنه شعر "كأن قلبه" تعلّق بالمكان.

وقد اختارت جاني حسين السفر برفقة أطفالها وزوجها السامع، لقمان. وتقول إنها بعد ثماني سنوات كرّستها للاهتمام بأطفالها، شعرت وكأن صلتها بالله ضعفت تدريجياً، وأرادت أن "تجدّد ذاتها الروحية".

كما رغبت في تعريف أطفالها بهذا الجانب المهم من دينها، لكن تحقيق ذلك لم يكن بالأمر السهل.

فـالطواف، أي الدوران حول الكعبة سبع مرات، يتطلب جهداً بدنياً كبيراً. والمنطقة المحيطة مصممة لاستيعاب أكثر من مئة ألف معتمر كل ساعة، ومع الوصول إلى الشوط الرابع، يبدأ الأطفال بالبكاء ويطلبون العودة.

وفي إحدى اللحظات، تفقد حسين زوجها والرضيع الذي يحمله. وحين تعثر عليه أخيراً، تنفجر هي أيضاً بالبكاء.

مجتمع وصداقات غير متوقعة

وفي نهاية المطاف، تنجح العائلة في إتمام الطواف معاً وتشعر بالفخر بهذا الإنجاز، لكن جاني حسين ترتّب لاحقاً للمشاركة في طواف "مخصّص للنساء فقط" مع نساء المجموعة من الصمّ.

هذه المرة، ومع تولّي زوجها رعاية الأطفال، تتمكّن من عيش "لحظتها الجميلة" الخاصة. ويقول لقمان، الذي كان قد أدّى العمرة معها قبل سنوات، إنه لاحظ فرقاً واضحاً في زوجته، واصفاً إياها بأنها "أفضل نسخة من نفسها" وهي تشارك إيمانها مع أفراد من مجتمع الصمّ.

من جانبهما، يكوّن رفيق وناصر صداقات جديدة. ويتذكر ناصر لحظة تمكّن فيها من مساعدة شخص أصم من السعودية على فهم صلاة الجمعة، مستخدماً مزيجاً من لغات الإشارة المختلفة.

ويقول: "تواصلنا وكنا نساعد بعضنا البعض. كنا نعلّم بعضنا إشاراتنا. حقيقة أننا جميعاً نأتي من مختلف أنحاء العالم، بغضّ النظر عن العرق أو لون البشرة أو العمر... إنه شعور رائع".

في المملكة المتحدة، تعمل جمعية "الإشارة" على مشروع لترجمة القرآن الكريم كاملاً إلى لغة الإشارة البريطانية (BSL)، بمشاركة مستشارين من الصمّ وعلماء دين ومترجمين. وحتى الآن، تمّت ترجمة 64 سورة من أصل 114، مع نشر مقاطع فيديو على قناة الجمعية على "يوتيوب".

ويندرج ذلك ضمن مهمة المجموعة لكسر الحواجز التي تحول دون وصول الصمّ إلى تعاليم الإسلام، وهو ما يعكسه المعتمرون الثلاثة بعد عودتهم إلى بلادهم. ويقول نذير: "للمرة الأولى شعرت حقاً بأنني مرئي ومفهوم ومندمج روحياً. لقد ذكّرني ذلك بأن هويتي كأصم ليست عائقاً، بل هي جزء مما خلقني الله عليه".

أما بالنسبة لجاني حسين، فقد بدت الزيارة وكأن قلبها "وجد موطنه". وتقول: "لفترة طويلة شعرت بأنه تائه، يطفو ويبحث عن المكان الذي أنتمي إليه. أن أكون قرب الكعبة؟ الأمر يفوق الوصف".

----