You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
"أخضع للعلاج من إدماني لاستخدام الهاتف لمدة 14 ساعة يومياً، وأنا عازم على التغلب على هذا الإدمان"
- Author, روث كليغ
- Role, مراسلة الشؤون الصحية
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
يرن صوت هاتف ماريوس ويضيء، لقد تلقى للتو رسالة مني عبر تطبيق "واتسآب" أطلب فيها إجراء محادثة أولية حول هذه القصة، وهو يريد أن يجيب على الفور، وأخبرني لاحقاً أن الرغبة في ذلك تبدو طاغية.
ومع ذلك، فهو حالياً في منتصف جلسة علاجية حول إدمانه للهاتف، فلا يمكنه الرد الآن.
يمسك أعصابه، ولكن بمجرد انتهاء الاجتماع، عاد إلى هاتفه وبعد ساعة، التقينا عبر مكالمة فيديو.
أقول: "أنا آسفة جداً، آخر شيء أردت فعله هو إزعاجك خلال جلستك".
ويتنهد ماريوس قائلاً: "لا تقلقي، هذا هو الشعور الذي يراودني منذ سنوات عديدة، هذه الحاجة التي لا يمكن السيطرة عليها موجودة على هاتفي، الأمر يشبه أن تحمل معك تاجر المخدرات الذي تشتري منه دائماً، مخدري موجود دائماً في جيبي، يومض ويرن ويذكرني بأخذ جرعة".
في يوم سيئ، يمكن لماريوس، وهو مدرّب لياقة بدنية، أن يقضي أكثر من 14 ساعة وهو يحدّق في شاشته (يقول إن إنستغرام هو الأسوأ بالنسبة له)، لكنه الآن يخضع لدورة علاجية خاصة من 12 جلسة لمحاولة كبح هذه النزعة القهرية، التي يعتقد أنها ناتجة عن الوحدة.
ومجرد نظرة واحدة على إحصائيات وقت استخدامي للشاشة تخبرني أنني تفقدت هاتفي 116 مرة أمس، كما قضيت أكثر من 3 ساعات أحدّق فيها بذهول.
هل ماريوس مدمن؟ هل أنا مدمنة؟ من الصعب معرفة ذلك.
ولا يُصنف إدمان الهاتف حتى الآن حالةً طبية رسمية، لكن في استطلاع حديث أجرته شركة "ديلويت" شمل ألف بالغ، قال 70 في المئة من المشاركين إنهم يقضون وقتاً طويلاً جداً على هواتفهم.
ومع تحذير عدد متزايد من الأكاديميين من أن الهواتف الذكية تغيّر كيمياء الدماغ، أفاد خبراء في مجال الإدمان بأنهم يلاحظون تزايداً في أعداد الأشخاص الذين يعتمدون اعتماداً كلياً على أجهزتهم.
وفي العام الماضي، كان واحد من كل ثلاثة أشخاص من الذين عولجوا من إدمان المخدرات في مراكز علاج الإدمان في المملكة المتحدة (يو كي إيه تي)، التي تدعم 3500 شخص سنوياً، يعاني أيضاً من إدمان ثانوي على الهاتف، وكان هذا الرقم واحداً من كل 10 فقط في عام 2019.
وتشير مراكز علاج الإدمان في بريطانيا إلى أن بعض الأشخاص يتراجعون حتى عن العلاج من إدمانهم الأساسي لأنهم يرفضون تسليم أجهزتهم عند دخول العيادة.
لكن متى يتحول الشخص من مجرد مستخدم مفرط للرسائل النصية إلى شخص يحتاج إلى مساعدة مهنية؟
وأثناء قيادتي صعوداً عبر الممر المظلل بالأشجار المؤدي إلى مركز "رينفورد هول"، استقبلتني نوافذ زجاجية ملونة ضخمة تعود إلى العصر اليعقوبي، وتطل على حدائق منسقة بعناية فائقة.
إنه مكان غير متوقع لعلاج الأشخاص الذين يعانون من الإدمان الرقمي.
ويقدّم مركز إعادة التأهيل "ستيبس توغيذر" في سانت هيلينز، بالميرسيسايد، خدماته أيضاً لأشخاص يعانون من أنواع أخرى من الإدمان (بما في ذلك المخدرات والكحول والقمار)، لكن المعالجين فيه يلاحظون تزايداً في عدد الأشخاص الذين لا يستطيعون الانفصال عن أجهزتهم.
وتشرح كيلي واتسون، كبيرة المعالجين: "يمكن أن يؤثر ذلك على أي شخص من أي خلفية، فنحن لدينا جميعاً هواتف محمولة، ولدينا جميعاً دوائر دماغية متشابهة، ويمكن أن يصبح الكثير منا مدمنين".
وتقول إن جزءاً من أدمغتنا يعمل على نظام المكافأة حيث نتلقى رسالة، أو إعجاباً على وسائل التواصل الاجتماعي، أو حتى نقرأ بعض المعلومات الجديدة على موقع ويب، ثم يُفرَز الدوبامين (وهو رسول كيميائي في الدماغ ينظم المتعة والتحفيز).
وتشرح أنه مع الوقت، يصبح هذا "التحفيز" ضرورياً بشكل مفرط لدى بعضنا، إذ يمكن أن يسيطر على الحياة، متسبباً في اختفاء ساعات، أو حتى أيام، من حياتنا داخل العالم الرقمي.
ويعرف جيمس، الذي يتلقى العلاج في مركز آخر تابع لستيبس توغيذر في ليستر، هذا الشعور جيداً، فالرجل البالغ من العمر 48 عاماً طلب المساعدة في البداية بسبب إدمان الكحول، لكن سرعان ما أصبح واضحاً أن اعتماده على العالم الرقمي خرج أيضاً عن السيطرة.
وبعد أن فقد جيمس وظيفته، أصبح يومه مكرساً للتصفح على وسائل التواصل الاجتماعي، وتفقد مواقع الأخبار، والهوس بما يحدث في أجزاء مختلفة من العالم، وإذا نشر أي شيء على وسائل التواصل الاجتماعي، كان يبقى مستيقظاً في منتصف الليل لمتابعة الإعجابات والتعليقات، ويقول إن الأمر كان يشعره وكأن العالم الرقمي يحتجزه رهينة.
لكن أي متعة في استخدام الهاتف اختفت، ويقول جيمس متذكراً: "كنت أكرهه، كان الأمر كأن جزءاً من روحي قد سُحب مني، لكنني لم أستطع التوقف".
وتقول واتسون إن العملاء، عند وصولهم لأول مرة إلى "رينفورد هول"، يكونون قلقين ومضطربين ويرفضون التخلي عن هواتفهم. وتضيف قائلة: "يقولون: لكنني أحتاجه للعمل، وأحتاجه للبقاء على تواصل مع عائلتي، وأستطيع سماع نبرة الخوف في أصواتهم؛ فالهاتف يمثل بالنسبة لهم ملاذاً آمناً".
ويقضي الكثير منهم ما لا يقل عن 28 يوماً في مركز الإقامة العلاجي، حيث يتلقون علاجاً جماعياً وفردياً للمشكلات الكامنة وراء إدمانهم، مع تلقي المساعدة للتخلص تدريجياً من هذا الاعتماد.
وتعمل واتسون معهم على تقليل الوقت الذي يقضونه أمام الشاشات تدريجياً، ومساعدتهم على استكشاف الأفكار والمشاعر التي تظهر لديهم عندما لا يستخدمون أجهزتهم.
وتقول: "غالباً ما تكمن المشكلة هنا، إذ قد تصبح أعباء الحياة ثقيلة للغاية، فيلجؤون إلى تصفح هواتفهم للانفصال عن الواقع".
وبعيداً عن أجواء الرفاهية في "رينفورد هول"، تتضافر جهود أشخاص من مختلف أنحاء العالم لدعم بعضهم بعضاً في مواجهة الإدمان الرقمي.
في عام 2017، قام عدد من الأشخاص القلقين بشأن استخدامهم للتكنولوجيا والإنترنت بتأسيس مجموعة "مدمنو الإنترنت والتكنولوجيا المجهولون" (آي تي إيه إيه)، وهي زمالة عالمية مستوحاة من برنامج "مدمنو الكحول المجهولون" (إيه إيه).
وجينّي هي إحدى أعضائها، وفي ذروة إدمانها على الهاتف، كانت لا تنام لأيام، وكانت بالكاد تأكل أو تشرب، إذ كان اعتمادها كبيراً للغاية.
وتقول الشابة، البالغة من العمر 30 عاماً، والتي لا ترغب في أن تكشف بي بي سي اسمها الحقيقي: "كنت أفقد أجزاءً من حياتي" إذ إنها لم تكن تهتم بما يظهر على شاشتها: فيلم، مسلسل، مقطع قصير، طالما أنها تشاهد شيئاً.
وتتذكر جينّي: "لم أدرك مدى إدماني إلا عندما بدأت أعراض الانسحاب، واضطررت إلى أن أطلب من الأصدقاء والعائلة وضع أجهزتي بعيداً". وتضيف: "كان الأمر سيئاً لدرجة أنني كنت أعتقد أنني سأموت إذا لم أشاهد شيئاً"، وإذا انتكست، كانت تلجأ إلىأخذ جهاز لابتوب أو هاتف ذكي من عائلتها أو "استعارته دون إذن".
لكن بعد ذلك كان الشعور بالذنب والعار يسيطر عليها، فكانت ترغب في بث المزيد من المحتوى للهروب من هذه المشاعر، وبعد سنوات من "البحث عن المساعدة"، عثرت على مجموعة "مدمنو الإنترنت والتكنولوجيا المجهولون" واتبعت برنامجهم المكوّن من 12 خطوة.
وهي الآن في مرحلة التعافي ولم تشاهد أو تبث أي محتوى منذ 5 سنوات، وتقول جينّي إنها مرتاحة لاستخدام هاتف بسيط، وللدخول إلى الإنترنت من أجل عملها، وتضيف: "أنا الآن أتحكم بالأمر".
أما توم، وهو عضو آخر في مجموعة "مدمنو الإنترنت والتكنولوجيا المجهولون"، فيقول إن إدمانه قاده إلى أماكن مظلمة، فقد كان يمكن أن يضيع شهوراً كاملة من حياته على هاتفه والشاشات الأخرى.
ويقول: "كنت أستغرق 10 ساعات متواصلة في التصفح حيث يمكن أن أستمع إلى الموسيقى، وأشاهد شيئاً على يوتيوب، وأتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، وألعب لعبة فيديو كل ذلك في الوقت نفسه، ثم كنت أتمشى لمدة ساعتين، ثم أعود للانغماس مرة أخرى، وكان هذا يستمر لشهور".
وكان إدمان توم قوياً لدرجة أنه أدى إلى فقدانه لعمله ولإحساسه بالهدف في الحياة، ويقول: "أصبحت أفكر في الانتحار". ويضيف: "بدأت أشعر مجدداً بفرح حقيقي في الحياة حيث ألعب كثيراً بيكل بول (رياضة مضرب تجمع بين عناصر من التنس، وتنس الطاولة، والبادمنتون)، وأخرج إلى الهواء الطلق، وأذهب إلى صالة الألعاب الرياضية".
وكتبت هيلدا بيرك، وهي معالجة نفسية معتمدة من الجمعية البريطانية للاستشارات والعلاج النفسي (بي إيه سي بي)، مؤخراً كتاباً إرشادياً بعنوان "تمارين التغلب على إدمان الهاتف" بعد أن لاحظت تزايد عدد العملاء الذين يأتون إليها بسبب اعتمادهم على العالم الرقمي.
وتوصي بيرك، في حال كنت تشعر بالقلق إزاء قضائك وقتاً طويلاً أمام الشاشة، بتحليل سلوكك والتفكير في الأسباب الكامنة وراءه.
وتقول: "اطرح على نفسك أسئلة مثل: ما الذي كان يحدث في ذلك اليوم؟ هل كنت أنتظر رداً من شخص ما على رسالة أرسلتها؟".
وتوضح بيرك أن انتظار الرد على رسالة ما غالباً ما يكون السبب وراء شعورنا الأولي بعدم الارتياح، مما يدفعنا لاستخدام الهاتف كوسيلة لصرف الانتباه عن هذا الشعور.
وتضيف: "بدلاً من الاتصال بالإنترنت، جرب القيام بنشاط آخر يشغل وقتك؛ كالاتصال بصديق، أو ممارسة الجري، أو قراءة كتاب، وحاول ألا تشعر بالذنب أو الخجل، بل فكر بدلاً من ذلك في كيفية التعامل مع الموقف بشكل أفضل في المرة القادمة".
كما طرحت شركات الاتصالات ميزات تساعد المستخدمين على تتبع الوقت الذي يقضونه أمام الشاشة وتقييد الوصول إلى تطبيقات معينة، وذلك في محاولة لكسر حلقة الإدمان الرقمي التي يقع فيها الكثير منا.
وبالعودة إلى شمال لندن، يحدو ماريوس الأمل في أن تساعده رحلة العلاج هذه في التغلب على إدمانه للهاتف، وهو في طريقه أيضاً لإتقان اللغة الإسبانية بطلاقة، بفضل تطبيقات متنوعة على هاتفه.
ويقول ماريوس: "الأمر ليس سيئاً تماماً".
لكنه، وبعد لحظة واحدة، يمد يده نحو هاتفه بشكل عفوي وتلقائي، وبمجرد أن تلمس يده الهاتف، يبدو وكأنه يتذكر عزمه على التغيير، فيضغط على الهاتف بقوة وتحدٍ.
ويضيف ماريوس: "أعقد العزم كل يوم على تقليل وقت استخدام الهاتف، وهذا الأمر بدأ يُحدث فرقاً بالفعل، كما أنني بدأت أستعيد تدريجياً متعة القيام بالأشياء من جديد، أنا واثق تماماً من أن هذا الأمر ممكن".