You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
ما علاقة فيديوهات "ليغو" بالدعاية الحربية لصالح إيران؟ بي بي سي تتحدّث مع مبتكرها
- Author, مات شيا، مقدم برنامج (توب كومنت)، ولوري كالوس، منتجة برنامج (توب كومنت)
- مدة القراءة: 6 دقائق
تبدو هذه المقاطع، للوهلة الأولى، وكأنها مشاهد مقتطعة من فيلم "ليغو"، لكنها أكثر حدة وسرعة في الإيقاع.
غير أن هذه الفيديوهات، التي حققت انتشاراً واسعاً والمدعومة بتقنيات الذكاء الاصطناعي، والمستوحاة من الأسلوب البصري المعروف لـ"ليغو"، تتضمن صوراً لأطفال يحتضرون، وطائرات مقاتلة، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب - وهي في حقيقتها مواد دعائية مؤيدة لإيران.
في بودكاست "أفضل تعليق (Top Comment)"الجديد من بي بي سي، تحدثنا إلى ممثل عن "إكسبلوزيف ميديا (Explosive Media)"، أحد الحسابات البارزة التي تقف وراء إنتاج هذه المقاطع، وطلب أن نشير إليه باسم "السيد إكسبلوزيف".
يقدم نفسه كخبير متمرس في إدارة المحتوى على وسائل التواصل الاجتماعي، وقد نفى في البداية أي صلة له بالحكومة الإيرانية. وكانت المنصة قد أكدت في مقابلات سابقة أنها "مستقلة تماماً". لكن مع مواصلة الاستجواب، أقر "السيد إكسبلوزيف" بأن النظام الإيراني "أحد عملائه" - وهو أمر لم يسبق أن أعلنه علناً.
وتتمحور الرسالة الأساسية لهذه الفيديوهات حول تصوير إيران على أنها تقاوم ما تعتبره قوة عالمية مهيمنة، هي الولايات المتحدة.
وتتسم هذه المقاطع بالمباشرة والمبالغة، من دون أي قدر يذكر من الإيحاء، إلا أن ذلك لم يحد من انتشارها أو من حجم التفاعل معها.
في أحد هذه الفيديوهات، يظهر دونالد ترامب وهو يهوي وسط دوامة من وثائق "ملف إبستين"، بينما تتردد كلمات أغنية راب تقول: "الأسرار تتسرب، والضغط يتصاعد".
وفي مقطع آخر، يظهر جورج فلويد تحت قدم شرطي، فيما يسمع صوت يقول إن إيران "تقف إلى جانب كل من ظلمهم نظامكم".
تقول خبيرة الدعاية الدكتورة إيما براينت إن مصطلح "سلوباغندا (Slopaganda)"، الذي صيغ في ورقة أكاديمية العام الماضي كتلاعب بعبارة "AI slop" (في إشارة إلى رداءة بعض المحتوى الناتج عن الذكاء الاصطناعي)، لا يعكس بدقة مدى قوة هذا النوع من المحتوى الذي تصفه بـ"شديد التطور".
وتشير التقديرات إلى أن مقاطع دعائية تمّ إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي حصدت مئات الملايين من المشاهدات خلال الحرب.
في مكالمة مرئية مع "السيد إكسبلوزيف"، بدا بملامح شبه معتمة، تحيط بها إضاءة حمراء وخضراء تحاكي ألوان العلم الإيراني. وعلى مكتبه وضعت خوذة خضراء مزيّنة بريش، تنسب إلى الإمام الحسين بن علي، الذي يظهر في عدد من مقاطعهم.
ويقول إن فريق "إكسبلوزيف ميديا" لا يتجاوز عشرة أشخاص، ويعتمد أسلوب الرسوم المستوحاة من "ليغو" لأنه، على حدّ قوله، "لغة عالمية يفهمها الجميع". وتعاد مشاركة هذه المقاطع بشكل منتظم عبر حسابات تابعة لوسائل إعلام رسمية إيرانية وروسية على منصة "إكس"، لتصل إلى ملايين المتابعين.
وعن سبب التركيز اللافت على ما يعرف بـ"ملفات إبستين" في هذه الفيديوهات، يوضح "السيد إكسبلوزيف" أن الهدف هو إبراز "طبيعة المواجهة التي يشهدها الجمهور"، بين إيران التي "تسعى إلى الحقيقة والحرية"، و"أولئك الذين يربطون أنفسهم بآكلي لحوم البشر".
وهذا الطرح يحيل إلى مزاعم تربط تلك الملفات بإدارة دونالد ترامب وبممارسات أكل لحوم البشر، وهي ادعاءات لا تستند إلى أي دليل موثوق.
تتضمن هذه الفيديوهات أيضاً كماً كبيراً من الأخطاء والمعلومات المضللة، ما دفعنا إلى سؤال "السيد إكسبلوزيف" عنها.
في أحد المقاطع، يظهر الجيش الإيراني وهو يأسر طياراً أمريكياً بعد إسقاط طائرته. لكن مسؤولين أمريكيين أكدوا أن قوات خاصة أمريكية أنقذت الطيار، الذي كان عالقاً في منطقة جبلية نائية داخل إيران، في 4 أبريل/نيسان.
غير أن "السيد إكسبلوزيف" رفض هذه الرواية، قائلاً: "ربما لم يكن هناك طيار مفقود أصلاً، ولم تحدث أي عملية إنقاذ. كان هدفهم الرئيسي سرقة اليورانيوم من إيران".
وعندما واجهناه بهذه المعلومات، مستشهدين بتصريحات مسؤولين أمريكيين أفادوا بأن الطيار يتلقى العلاج حالياً في الكويت، ردّ قائلاً إن "13 في المئة فقط مما يقوله دونالد ترامب مبني على حقائق".
ورغم ذلك، نجح الفيديو الذي أنتجته "إكسبلوزيف ميديا" في ترسيخ هذه الرواية البديلة بين جمهور واسع من الناطقين بالإنجليزية.
وقالت إحدى المؤثرات الأمريكيات على منصة "تيك توك"، المعروفة باسم @newswithsteph، لمتابعيها إن فيديوهات "ليغو" كانت "دقيقة بشكل صادم حتى الآن، إذ كشفت قصة مهمة الطيار الأمريكي الأخيرة، التي لم تكن مهمة إنقاذ على الإطلاق، بل عملية خاصة للبحث عن اليورانيوم".
وترى خبيرة الدعاية، الدكتورة إيما براينت، أن الذكاء الاصطناعي أتاح لإيران وغيرها التواصل مباشرة مع الجماهير الغربية بفعالية غير مسبوقة، عبر أدوات مدرّبة إلى حد كبير على بيانات غربية، ما يجعلها قادرة على إنتاج محتوى "ملائم ثقافياً".
وتقول براينت إن هذا هو تحديداً ما كانت تفتقر إليه في السابق الدول الاستبدادية التي تسعى إلى التأثير في الرأي العام الغربي.
من جهتها، تصف الدكتورة تين مونك، خبيرة الحرب السيبرانية في جامعة نوتنغهام ترينت، هذه الأساليب بأنها "حرب ميمية دفاعية"، أي استخدام المحتوى الرقمي واسع الانتشار للتأثير في السرديات ومواجهة الخطاب الأمريكي.
ظهرت مقاطع فيديو "إكسبلوزيف ميديا" للمرة الأولى في أوائل عام 2025، غير أنّ انتشارها تسارع بشكل لافت مع اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران.
وأصبحت هذه المقاطع، المصمّمة بأسلوب يحاكي مكعبات "ليغو"، أكثر تفصيلاً، إذ تعرض مواقع محددة في منطقة الخليج، من محطات توليد الطاقة إلى المطارات والمنشآت الصناعية، وهي تتعرّض لتدمير كامل بصواريخ إيرانية.
لكن الواقع يختلف عن ذلك، إذ لم تتعرّض معظم هذه المواقع إلا لأضرار محدودة.
وغالباً ما تُنتج هذه الفيديوهات بوتيرة متسارعة تحاكي الزمن الفعلي، وتُنشر عقب أبرز تطورات الحرب بوقت قصير. وقد ظهر أحد المقاطع عن اتفاق وقف إطلاق النار قبل صدور أي إعلان رسمي بشأنه.
ووفقاً لمسؤولين في إيران ولبنان ودول أخرى في الشرق الأوسط، قُتل آلاف الأشخاص خلال هذا النزاع، الذي بدأ في فبراير/شباط عقب ضربات شنّتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.
وبعد أخذٍ وردّ في النقاش، أقرّ "السيد إكسبلوزيف" بأن الحكومة الإيرانية تُعد بالفعل "زبوناً" لشركته، مشيراً إلى أنّ فريقه تلقّى تكليفات مباشرة من مسؤولين إيرانيين لتنفيذ عدد من المشاريع، وفق ما سبق أن ذكره في رسائل عبر "إنستغرام".
وقبل اندلاع الحرب هذا العام، قُتل آلاف المتظاهرين في حملة قمع وُصفت بالعنيفة. وأفادت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) بأن عدد القتلى بلغ ما لا يقل عن 7000 مدني.
ورغم ذلك، دافع "السيد إكسبلوزيف" عن علاقة فريقه بالحكومة، قائلاً إن "العمل من أجل الوطن شرف"، واصفاً الاحتجاجات الجماهيرية الأخيرة بأنها "انقلاب" ممول من دونالد ترامب.
كما رفض الاتهامات التي واجهناه بها بأن مقاطعه تتضمن مضامين معادية للسامية، مؤكداً أن "مقاطعنا ليست معادية للسامية، بل معادية للصهيونية". وفي معرض تبريره لتصوير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وهو يشرب الدم، قال إن هذه الصور تهدف إلى إبراز "الفظائع التي ارتكبها".
وفي ظل انقطاع واسع النطاق للإنترنت داخل إيران، يواجه معظم السكان صعوبة في الوصول إلى الشبكة. ويقول "السيد إكسبلوزيف" إنه تمكّن من التواصل مع بي بي سي عبر ما وصفه بـ"إنترنت الصحفيين" الذي توفره الحكومة. وتُصنَّف إيران باستمرار ضمن أكثر دول العالم تقييداً لحرية الصحافة.
تعمل منصات التواصل الاجتماعي على إغلاق الحسابات التي تنشر هذه المقاطع المصمّمة بأسلوب "ليغو"، لكن سرعان ما تظهر حسابات جديدة لتحلّ مكانها.
وترى مونك أن ما يحدث يُمثّل شكلاً من "الدبلوماسية الرقمية السريعة والهجومية" التي يبدو أنها باقية.
وتوضح أن هذه الظاهرة "تتجاوز الوسطاء، وتتخطّى دور الصحافة ووسائل الإعلام التقليدية، مع استمرار تداول هذا النوع من المحتوى بشكل متكرر".
وتضيف: "الدبلوماسية التقليدية لا مكان لها هنا. هذا يربك فهمنا لما يحدث، كما يزيد من خطر سوء التفسير والتصعيد".
وتختم بالقول: "نحن، في الواقع، في حالة من الضبابية".