مبادرة أمريكية جديدة لتوحيد السلطة في ليبيا، هل تنجح هذه المرة؟

    • Author, أحمد عمر
  • Published
  • مدة القراءة: 5 دقائق

إذا سُئل كثيرون عن أكثر الأزمات السياسية تعقيدًا في الشرق الأوسط، غالبًا ما تأتي ليبيا في مقدمة الإجابات.

فمنذ عام 2011، طُرحت أكثر من 15 مبادرة سياسية، إلى جانب عشرات المؤتمرات والوساطات الدولية والإقليمية، في محاولات متكررة لإنهاء أزمة الانقسام وتعدد أروقة الحكم في البلاد، إلا أن الوضع لا يزال يراوح مكانه، ما يجعل ليبيا واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيدًا في المنطقة.

وبدأت أحدث هذه المحاولات في عام 2025، مع إعلان مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، وهو أيضا صهر الرئيس الأمريكي، عن مبادرة تهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية تدريجيًا، قبل الانتقال إلى تسوية سياسية شاملة.

ورغم تسجيل بعض التقدم المحدود على الأرض، خصوصًا في ملفات التنسيق الاقتصادي والعسكري، فإن المبادرة تواجه خلال الفترة الأخيرة تحديات متزايدة، وسط خلافات سياسية ومؤسسية وقبلية قد تعرقل استمرار زخمها.

ما هي مبادرة مسعد بولس؟

تقوم المبادرة، بحسب ما أعلنه بولس، على مسار تدريجي يهدف إلى توحيد المؤسسات الليبية، باعتباره مدخلًا للوصول إلى تسوية سياسية شاملة، مع طرح إمكانية استضافة واشنطن لتوقيع اتفاق نهائي حال التوصل إلى تفاهمات بين الأطراف الليبية.

وبحسب ما أعلنه، فإن العمل على هذا المسار بدأ قبل أكثر من عام، حيث عُقد أول لقاء بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها في العاصمة الإيطالية روما في سبتمبر/أيلول الماضي، ضمن جهود لبناء تفاهمات حول الملفات الاقتصادية والأمنية.

وخلال الأشهر التالية، تحققت بعض الخطوات الملموسة، من بينها إقرار موازنة وطنية موحدة لأول مرة منذ عام 2013، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة في مدينة سرت بإشراف القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا (أفريكوم)، إضافة إلى إنشاء غرف عمليات مشتركة بين الجانبين.

وتتحدث تقارير غير مؤكدة عن أن المبادرة قد تشمل ترتيبات سياسية تتضمن بقاء رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة موحدة، مقابل تولي صدام حفتر، نجل خلفية حفتر قائد الجيش الوطني في شرق ليبيا، منصبًا تنفيذيًا أو رئاسيًا جديدًا، وهي ترتيبات لم تُعلن رسميًا

وبالتوازي مع ذلك، عادت اللجنة المشتركة بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة، المعروفة بـ«6+6»، إلى اجتماعاتها التشاورية لمناقشة القوانين الانتخابية، بعد أشهر من الجمود، في إطار مساعٍ لإحياء المسار السياسي المتعثر.

وفي السياق ذاته، يتزامن هذا الحراك مع مسار الحوار المهيكل الذي تيسره بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والذي يهدف إلى بلورة توصيات بشأن الإطار الدستوري والقوانين الانتخابية، ضمن جهود أوسع لدفع العملية السياسية.

وترى الصحفية المتخصصة في الشأن الأمريكي يسرا أمين أن بعض التحركات المرتبطة بالمبادرة تعكس مقاربة أمريكية أكثر براغماتية في التعامل مع الملف الليبي، تقوم على تحقيق أهداف استراتيجية، من بينها تعزيز أمن الطاقة والحد من نفوذ قوى دولية منافسة في مناطق استراتيجية مثل ليبيا.

وتتمتع ليبيا بواحدة من أكبر احتياطيات النفط والغاز، إذ تمتلك احتياطيات مؤكدة تُقدَّر بنحو 48–50 مليار برميل من النفط، ما يضعها ضمن أكبر عشر دول في العالم من حيث الاحتياطي النفطي وفقًا لتقديرات دولية.

الأدوار المصرية والتركية

في موازاة التحركات المرتبطة بالمبادرة الأمريكية، برزت مؤشرات على تنسيق متزايد بين مصر وتركيا في الملف الليبي، في ظل تقارب تدريجي تشهده العلاقات بين البلدين بعد سنوات من التباين، انعكس على مقاربتهما تجاه الأزمة في ليبيا.

فقد استضافت القاهرة في 21 يونيو/حزيران 2026 اجتماعًا رباعيًا ضم وزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان، وشهد على هامشه لقاءً مع المستشار الأمريكي مسعد بولس، حيث جرى بحث تطورات الأوضاع في ليبيا والسودان والملف الإيراني، مع تأكيد دعم الجهود الرامية إلى تعزيز وحدة ليبيا ودفع المسار السياسي.

وتلا ذلك حراك استخباراتي لافت، إذ شهدت طرابلس في 23 يونيو/حزيران زيارات متزامنة لرئيس جهاز المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد ورئيس الاستخبارات التركية إبراهيم قالن، في إطار اتصالات شملت أطرافًا من شرق ليبيا وغربها، وركزت على ملفات توحيد المؤسسات الأمنية والعسكرية، بالتوازي مع تطورات المبادرة الأمريكية.

ويقول الباحث المتخصص في الشأن الليبي عبد الستار حتيتة إن المقاربات المصرية والتركية في ليبيا تختلف من حيث الأولويات، إذ تركز القاهرة على اعتبارات الأمن القومي وحدودها الغربية، بينما ترتبط مقاربة أنقرة بعلاقاتها مع أطراف في غرب ليبيا، مع توسع لاحق في قنوات التواصل مع أطراف في الشرق خلال السنوات الأخيرة.

ويضيف حتيتة: "قد يبدو أن هناك قدرًا من التنسيق في التحركات، لكن هذا لا يعني بالضرورة توافقًا كاملًا، فالكثير من التفاصيل تُدار في الغرف المغلقة."

وتاريخيًا، اتخذت مصر موقفًا داعمًا للمعسكر الشرقي بقيادة حفتر في شرق ليبيا، معتبرة أن استقرار البلاد يرتبط بتوحيد مؤسساتها ومواجهة التنظيمات المسلحة، فيما دعمت تركيا حكومة الوفاق السابقة في طرابلس، ووقّعت معها اتفاقيات أمنية وعسكرية، قبل أن تعزز وجودها العسكري في غرب ليبيا عبر عدة نقاط تمركز، ثم تتجه لاحقًا إلى توسيع انخراطها السياسي مع مختلف الأطراف الليبية.

خلافات داخل ليبيا حول المبادرة

وفي تطور آخر، التقى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن صدام حفتر، نائب قائد "القيادة العامة" في شرق ليبيا، في إطار تحرك أمريكي لدعم جهود توحيد المؤسسات الليبية.

وجاء اللقاء بعد أيام من زيارة أجراها صدام حفتر إلى الإمارات ومصر.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأمريكية إن روبيو وصدام حفتر ناقشا "الجهود الليبية الجارية لتوحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية"، إضافة إلى سبل التعاون لدعم الوحدة والسلام في ليبيا.

كما قالت القيادة العامة إن اللقاء، الذي حضره مستشار الرئيس الأمريكي مسعد بولس، تناول آخر التطورات السياسية في ليبيا والمبادرة الأمريكية، وسبل تعزيز التعاون الثنائي.

ويأتي ذلك بعد زيارة أجراها وكيل وزارة الدفاع في حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس عبدالسلام الزوبي إلى واشنطن، حيث التقى بولس ومسؤولين أمريكيين، من بينهم نائب قائد القيادة العسكرية الأمريكية في أفريقيا "أفريكوم".

وتنقسم المؤسسة العسكرية في ليبيا إلى جناحين: أحدهما في شرق البلاد بقيادة خليفة حفتر، والآخر في الغرب تابع لحكومة الوحدة الوطنية. وتُجرى محادثات لتوحيد المؤسسة العسكرية برعاية بعثة الأمم المتحدة، ضمن إطار اللجنة العسكرية المشتركة (5+5).

ردود داخل ليبيا: انقسام في المواقف

لكن هذا المسار يواجه تحديات داخلية واضحة.

إذ يرى حتيتة أن إدماج شخصيات من معسكر حفتر في أي تسوية سياسية لا يزال مرفوضًا من أطراف في مدن مثل مصراتة وطرابلس، حيث تستمر حالة الانقسام السياسي والمجتمعي.

ويضيف أن التحدي الأكبر يتمثل في دمج الأجسام السياسية القائمة مثل مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي ضمن صيغة موحدة، محذرًا من أن أي انتقال سياسي إلى طرابلس قد يواجه عقبات كبيرة في ظل استمرار الانقسام.

في المقابل، تقول يسرا أمين إن التحدي الأساسي لا يتعلق فقط بالتوافق الدولي، بل بإمكانية تحقيق توافق داخلي داخل ليبيا، في ظل وجود كيانات عسكرية واقتصادية تراكم نفوذها خلال سنوات الانقسام، وقد ترى في أي إعادة توحيد للسلطة تهديدًا لمصالحها.

ومنذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2020، سعت الأمم المتحدة إلى الدفع نحو انتخابات عامة، لكن الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها في نهاية 2021 أُلغيت في اللحظات الأخيرة بسبب خلافات سياسية حول الأهلية القانونية للمرشحين.

وأدى ذلك إلى استمرار الانقسام السياسي، مع وجود حكومتين: حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وحكومة موازية في الشرق برئاسة أسامة حماد، في ظل استمرار التوتر بين المعسكرين.