"يتشبّت بعضنا ببعض، مستعدين للموت": اليمن على شفا الهاوية مع انهيار الهدنة

صورة تظهر آمنة وهي تعد الخبز على الحطب بمقلاية قديمة في مخيم المهربة للنازحين شمال غربي اليمن.
التعليق على الصورة، تُعِدّ آمنة الخبز على الحطب مستخدمةً مقلاةً بالية.
    • Author, فراس كيلاني
    • Role, بي بي سي نيوز عربي
  • Published
  • مدة القراءة: 8 دقائق

مع انهيار الهدنة بين حركة أنصار الله الحوثية المدعومة من إيران والحكومة المعترف بها دولياً والمدعومة من السعودية، عاد هدير الطائرات الحربية ليملأ سماء المحافظات الشمالية الغربية في اليمن خلال الأسابيع الماضية.

تعاني الأسر المقيمة في مخيم "المهربة" للنازحين شمال غربي اليمن لسنوات من سوء التغذية وضعف الرعاية الصحية.

يقع المخيم في مديرية حيران في محافظة حجة الحدودية مع السعودية والتي يسيطر الحوثيون على غالبيتها، على بُعد بضعة كيلومترات عن مناطق تسيطر عليها الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً.

في يناير/كانون الثاني 2026 قرر برنامج الأغذية العالمي إنهاء مساعداته في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين. وتقول منظمة هيومن رايتس ووتش إن السلطات التابعة لحركة أنصار الله الحوثية داهمت مكاتب موظفين من وكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية واحتجزت العشرات منهم.

والآن، تقول وكالات الإغاثة إن التصعيد المستمر قد يعطل العمليات في موانئ رئيسية مثل الحديدة، الذي يمثّل بوابة حيوية لدخول المساعدات الإنسانية، ما يهدد وصول المساعدات الإغاثية إلى ملايين اليمنيين.

صورة تظهر أطفالا في مخيم المهربة، حفاة، يرتدون ملابس بالية، وهم يتجمعون حول طبق معدني مشترك فيه أرغفة خبز.
التعليق على الصورة، نزحت آمنة وعائلتها ثلاث مرات.

تعيش آمنة محمد منصور رازحي مع عائلتها في مخيم المهربة منذ اثني عشر عاماً، وتُعِدّ الخبز على الحطب بما يتوفر لها من طحين وزيت مستخدمةً مقلاةً بالية.

"وضع المخيم مزرٍ للغاية"، تقول آمنة، "لا نأكل سوى وجبة واحدة في اليوم. لا توجد مياه، ولا كهرباء، ولا بيوت مثل الناس".

نزحت آمنة وعائلتها ثلاث مرات. وتقول إن سماع أصوات الطائرات الحربية السعودية يصيبها بحالة من الرعب والخوف، إذ لا يوجد مكان للاختباء.

تضيف: "نتجمع معاً داخل الخيمة ونتشبث ببعضنا البعض، مستعدين للموت معاً إذا قصفتنا طائرة".

يعد مخيم "المهربة" اليوم موطناً لآلاف الأطفال من مختلف الأعمار الذين وُلدوا فيه خلال السنوات الماضية، يتجولون حفاة على التراب، بملابس بالية.

صورة من داخل مخيم المهربة، تظهر رجلا ستينيا غارقا في التفكير، ويجلس داخل مأوى مصنوع من القصب.
التعليق على الصورة، لا يصدّق علِيّ أنه أمضى ثماني سنوات في مأوى من القصب، عاجزاً عن الوصول إلى أسرته.

ليس بعيداً عن خيمة آمنة، يعيش علِيّ محمد خميسي في غرفة من القش منذ ثمانية أعوام.

يبدو علِيّ غارقاً في التفكير، لا يكاد يصدق أنه أمضى ثمانية أعوام هنا وحيداً، عاجزاً عن الوصول إلى عائلته التي لا تبعد عنه سوى عشرين كيلومتراً.

غادر علِيّ منزل الأسرة في أحد الأيام عام 2018 لزيارة والده محمد في قرية قريبة، لكنّ هجوماً مفاجئاً شنّته القوات الحكومية اليمنية المدعومة من السعودية أجبر مقاتلي حركة أنصار الله الحوثية على الانسحاب من مناطق عدة في مديرية حيران الحدودية مع السعودية التي تقع فيها قرية علي، فوجد نفسه عالقاً في الجانب الآخر من خط المواجهة بعيداً عن أسرته.

لم يتمكن علِيّ، منذ ثمانية أشهر، من التواصل مع زوجته وبناته الأربع وابنه، لأنه لا يملك هاتفاً جوالاً، وحتى حين يتاح له استعارة واحد، تخذله شبكة الاتصالات.

"عندما تمكنت من الاتصال بهم، بكينا معاً" يقول علِيّ، ويضيف: "الحرب جعلت من المستحيل أن نلتقي من جديد".

يتذكر علِيّ أنه أصيب بانهيار عصبي بعدما علم أن أطفاله ظلوا لأسابيع بلا طعام بسبب الحصار.

ظلّ الطريق المؤدي إلى قريته مغلقاً حتى بعد التوصل إلى هدنة عام 2022، وبقي علِيّ عالقاً في المخيم مع والده وشقيقه وأبناء شقيقه، إلى جانب آلاف الأشخاص الذين تقطعت بهم السبل بسبب الحرب.

خريطة تظهر منزل علي في منطقة سيطرة الحكومة المعترف بها دوليا، والمخيم الذي ينزح فيه في مناطق سيطرة الحوثيين.
صورة تظهر علي وهو يقف على جانب طريق في شمال غربي اليمن، على بُعد بضعة كيلومترات فقط من المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة بالقرب من الحدود السعودية.
التعليق على الصورة، غادر علِيّ منزله في أحد الأيام لزيارة والده في قرية قريبة، ليجد نفسه عالقاً في الجانب الآخر من خط المواجهة.
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

يتعرض اليمن اليوم لخطر الانزلاق مجدداً إلى حرب شاملة، حسبما حذّر المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن هانس غروندبرغ، في جلسة لمجلس الأمن الدولي.

وأضاف غروندبرغ في 7 سبتمبر/أيلول الجاري، أن "تصاعد حدّة الاشتباكات بفعل الهجمات الأخيرة من قِبل حركة أنصار الله على جبهات عدة ينذر "باتساع نطاق النزاع، وهذا تطورٌ بالِغُ الخطورة".

كما أشار غروندبرغ إلى أن اليمن "عانى بالفعل لأكثر من عقد من النزاع، وستكون للعودة إلى قتال واسع النطاق ومتواصل عواقب وخيمة على المدنيين، كما ستزيد من صعوبة المسار المعقد أصلاً نحو التوصل إلى تسوية سياسية".

عاد الاقتتال خلال الأسابيع الماضية بين الحوثيين المدعومين من إيران، والحكومة اليمنية المعترف بها دولياً المدعومة من السعودية.

وشن الحوثيون هجمات غير مسبوقة بالصواريخ الباليستية والمسيّرات استهدفت مناطق نفوذ الحكومة في مدينتَي مأرب والمخا، أدت إلى سقوط ضحايا مدنيين، وألحقت أضراراً مادية كبيرة.

أبرز الهجمات هي التي خاضها الحوثيون للسيطرة على مدينة المخا القريبة من مضيق باب المندب، حيث بدأ التمهيد لهذه الخطوة قبل أسابيع، عندما تعرّض ميناء المدينة للقصف بالصواريخ الباليستية بشكل شبه يومي، والذي أدى لخروجه عن الخدمة منتصف أغسطس/آب الماضي. ولا يبعد الميناء سوى بضعة كيلومترات عن مضيق باب المندب الذي أغلقه الحوثيون في وجه السفن السعودية قبل أسابيع - إذ يتهم الحوثيون المملكة بفرض حصار على اليمن، في حين تصف السعودية اتهامات الحوثيين بـ"المضللة".

صورة تظهر علي وهو جالس مع أبناء أخيه داخل مأوى مصنوع من القصب وأوراق الشجر.
التعليق على الصورة، لا يزال علِيّ عالقاً في المخيم.

كما طال القصف الحوثي سفناً تجارية في البحر الأحمر، وأعلنت الحركة استهدافها مواقع داخل السعودية في نجران وجازان.

وتؤكد الأمم المتحدة أن صواريخ الحوثيين قتلت وأصابت مدنيين، فيما كاد أحدها يتسبب في حصد أرواح أعداد كبيرة من الضحايا بعد سقوطه قرب مخيم للنازحين في محافظة مأرب.

ويوم الاثنين أيضاً، قالت الحكومة السعودية إن ما لا يقل عن 73 مدنياً، بينهم نساء وأطفال، أصيبوا في هجمات حوثية استهدفت مواقع مدنية واقتصادية في أنحاء جنوب السعودية.

وقالت وزارة الخارجية السعودية إن المملكة "لن تتهاون" مع أي اعتداء يستهدف أراضيها ومقدّراتها، وإنها تحتفظ بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عن سيادتها وأمنها.

بحسب اللواء تركي المالكي، المتحدث باسم قوات "تحالف دعم الشرعية في اليمن" بقيادة السعودية، تعدّ "الاعتداءات في أبها وخميس مشيط وجازان ونجران، تصعيداً خطيراً"، مؤكداً أن قيادة القوات المشتركة للتحالف ستتخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية المدنيين و"تحييد الخطر".

أطفال يمسكون بشظايا في محافظة مأرب.
التعليق على الصورة، تقول الأمم المتحدة إن صواريخ الحوثيين قتلت وأصابت مدنيين، فيما كاد أحد هذه الصواريخ يتسبب في وقوع عدد كبير من الضحايا بعد سقوطه بالقرب من مخيم للنازحين في محافظة مأرب.

يقول شريان النعيمي أحد سكان المخيم إن سقوط الصاروخ بعيداً نسبياً، أدى لاقتصار الأضرار على إصابات متوسطة بين أفراد عائلته وجيرانه، لكنه يخشى أن يكون ذلك مقدمة لما هو أسوأ، فعودة الحرب "ستؤدي لانهيار الدولة، والعودة لحكم الميليشيات" على حد تعبيره.

وعلى خلفية هذا التصعيد، توسعت جبهات القتال داخل اليمن لتصل إلى الكثير من محاور الهدنة التي كانت تفصل بين الحوثيين ومناطق نفوذ الحكومة المعترف بها دولياً.

يقول عبد الله الشرعبي، مدير ميناء المخا لبي بي سي إن السفن التجارية الراسية في الميناء تعرضت لضربات مباشرة، وإن جزءاً كبيراً من البنية التحتية للميناء والمنشآت اللوجستية ومساكن الموظفين والمناطق التشغيلية، قد دُمّر.

ينفي الحوثيون استهداف منشآت مدنية في الميناء، ويقولون إن سفينة إنزال عسكرية سعودية وأربعة زوارق عسكرية مرافقة لها كانت هي الهدف، من دون تقديم أدلة.

ثم بدأت قوات الحوثيين الزحف نحو المخا، قبل أن تذكر مصادر حكومية وشهود عيان الجمعة، أنهم باتوا يسيطرون على المدينة، وعلى الساحل الغربي اليمني، المطلّ على باب المندب.

كما أغلق الحوثيون مضيق باب المندب أمام السفن السعودية، واستهدفوا سفناً تجارية في البحر الأحمر، ما أدى إلى تعطيل طرق الشحن من ميناء ينبع السعودي إلى الأسواق الآسيوية التي اكتسبت أهمية باعتبارها بدائل عن مضيق هرمز.

صورة تظهر عمليات إطفاء الحرائق في مأرب.
التعليق على الصورة، تقول الحكومة اليمنية إن هجمات غير مسبوقة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من المدنيين والعسكريين، وألحقت أضراراً واسعة في مأرب.
خريطة تظهر مواقع رئيسية أفادت تقارير بأن الحوثيين هاجموها في الأسابيع الأخيرة.

يقول العميد عابد الثور، مستشار وزارة الدفاع التابعة لحركة أنصار الله الحوثية لبي بي سي إن هذه العمليات تأتي ردّاً على الهجمات والحصار المفروض على اليمن.

ويضيف أن "الجغرافيا اليمنية منحتنا أفضلية ومكّنتنا من تحقيق نتائج لم تتمكن حتى السعودية من تحقيقها. باب المندب ورقة مهمة ورابحة بالنسبة لنا، والسعودية تواجه أزمة بسبب إغلاقه".

بدأ الجيش اليمني استخدام الطائرات المسيّرة ضد الحوثيين، وفقاً لصور نشرتها وسائل إعلام موالية للحكومة، بينما أظهرت لقطات بثتها وسائل إعلام سعودية، بينها قناة العربية، وصول مدرّعات ومدفعية متطورة إلى مواقع على خطوط المواجهة.

دمار في ميناء المخا على البحر الأحمر.
التعليق على الصورة، ينفي الحوثيون استهداف منشآت مدنية في ميناء المخا.

كما أعربت وسائل إعلام سعودية عن قلق متزايد من احتمال انخراط الحوثيين بصورة أعمق في صراع إقليمي أوسع إذا تصاعدت الأعمال العدائية بين إيران وخصومها.

ولا تُخفي السعودية دعمها للحكومة اليمنية في مواجهة ما تقول إنه دعم كبير يتلقاه الحوثيون من إيران، يشمل الصواريخ والطائرات المسيّرة والمستشارين.

لكن القلق السعودي الأكبر، هو الخشية من أن تسهم عودة القصف الأمريكي على إيران في تجدد الحرب على نطاق واسع، وأن ينخرط الحوثيون فيها بكل قدراتهم وعلى مختلف الجبهات.

ومع تعثّر المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، يقول الثور إن صراعاً جديداً قد يندلع قريباً، وإن "مشاركتنا ستكون كاملة وسنستخدم جميع أسلحتنا" إذا تعرضت طهران لهجوم.

ويضيف: "إذا شعرنا أن هناك خطراً على إيران أو اليمن من الدول المطلة على البحر الأحمر، فقد نضرب أهدافاً داخل السعودية أو في دول مجاورة على البحر الأحمر".

صورة تظهر علي وهو يجلس مع والده محمد في إحدى الخيم المصنوعة من القصب في مخيم المهربة للنازحين شمال غربي اليمن.
التعليق على الصورة، يخشى علِيّ الآن ألّا يرى أسرته مرة أخرى.

ترفض السعودية ما تصفه بالنهج العدائي للحوثيين، وتقول إنها تحتفظ بحقها في الدفاع عن أراضيها.

يقول الخبير العسكري والإستراتيجي السعودي حسن ظافر الشهري، لبي بي سي، إن السعودية لا تسعى إلى الحرب، لكنها في الوقت نفسه لن تسمح بأن يتحول أمنها القومي إلى ورقة ضغط إيرانية، ويضيف أن أي ردّ سيُحدَّد وفقاً لحجم الهجوم وطبيعته.

لكنّ كثيرين يخشون أن يتحمل المدنيون مرة أخرى العبء الأكبر.

بالعودة إلى مخيم المهربة، يخشى علِيّ الآن ألّا يرى أسرته مرة أخرى.

"الوضع يزداد سوءاً كل يوم. القصف المدفعي قريب منا" يقول علِيّ، "أخشى أن يكون ذلك مقدمة ليوم يحدث فيه فراق نهائي بيني وبين أطفالي".

يضيف: "المعاناة تشتدّ كل يوم، الجوع والفقر والمأوى أمورٌ تجعل الحياة أكثر صعوبة".