You’re viewing a text-only version of this website that uses less data. View the main version of the website including all images and videos.
موريتانيا: ماذا تكشف رحلة لواحدة من أقل دول العالم زيارة؟
- Author, جوردي بوسكيه
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
تقع موريتانيا بالكامل تقريباً في الصحراء الكبرى وتضم مدناً عريقة تعود إلى قرون إلى جانب واحات صحراوية ومشهداً ساحلياً هائلاً يمكن رؤيته من الفضاء.
وفي عصر بات فيه استكشاف أقصى بقاع العالم أكثر سهولة على نحو متزايد - من أعلى الجبال إلى أكثر الجزر عزلة - لا تزال هناك دول بأكملها لم يزرها إلا قلة من المسافرين، ومن بين هذه الدول موريتانيا.
وتُعد موريتانيا، التي تقع نحو 90 في المئة من مساحتها داخل الصحراء الكبرى، واحدة من أقل دول العالم كثافة سكانية وأقلها استقبالاً للزوار.
وبسبب محدودية البنية التحتية السياحية والمخاوف الأمنية، يصل إلى هذا البلد الذي تغطيه الرمال وتلفحه الشمس أقل من 10 آلاف مسافر دولي سنوياً، مقارنة بعدة ملايين يزورون الجزائر والسنغال المجاورتين.
لكن موريتانيا لم تشهد أي هجوم إرهابي منذ عام 2011. وبحسب مؤشر الإرهاب العالمي، فإن تأثير الإرهاب فيها أقل مما هو عليه في معظم الدول الأوروبية.
وخلال رحلة فردية استمرت ثلاثة أسابيع مؤخراً، استخدمت مزيجاً من وسائل النقل العام وشاحنات الدفع الرباعي المستأجرة للتنقل عبر أنحاء البلاد، ولم أشعر في أي لحظة بعدم الأمان.
وفي الرحلة، اكتشفت واحات صحراوية أسطورية، ومدناً شهيرة ازدهرت ذات يوم على طرق التجارة العابرة للصحراء التي كانت تسلكها قوافل الجمال، وثقافة صيد، على طول ساحل الأطلسي، غنية إلى درجة يمكن رؤية لمحات منها من الفضاء.
بحر من القوارب
بعد عبور الحدود من الصحراء الغربية، بدأت مغامرتي الموريتانية في نواذيبو، ثاني كبرى مدن البلاد وأهم موانئ الصيد فيها.
وبفضل تيار الكناري، الذي يدفع بالمياه العميقة الغنية بالمغذيات إلى السطح على طول الساحل الشمالي لموريتانيا، تزدهر هنا تجمعات هائلة من أسماك السردينيلا والماكريل والسمك السيفي والأخطبوط. ولهذا تصطف آلاف قوارب الصيد في الميناء بانتظار الظروف المناسبة لإلقاء شباكها. وتتكدس القوارب بأعداد هائلة إلى درجة أنه يمكن رؤيتها حتى من الفضاء.
عاصمة تنهض من قلب الصحراء
قال لي رجل في سيارة سيدان سوداء صغيرة: "أهلاً بك في موريتانيا!"، عندما أوقفت مركبة في نواكشوط بعد رحلة بالحافلة استغرقت سبع ساعات جنوباً من نواذيبو. ورفض الرجل أن يتقاضى الأجرة، ثم أوضح قائلاً: "أنا لست سائق أجرة. لقد أقلّتك فقط لأنك أجنبي وأردت أن أعرف رأيك في بلدي".
ويعيش نحو ثلث سكان موريتانيا البالغ عددهم خمسة ملايين نسمة، في عاصمتها الساحلية نواكشوط. وذكرتني الأخيرة، بما تتمتع به من حيوية وضجيج ونشاط، بالعديد من العواصم الأفريقية للوهلة الأولى، لكن مع استثناء مهم: فهي تبدو كأنها تنهض بشكل سحري من الصحراء الكبرى.
فخارج وسط المدينة، حيث تصطف المباني الحكومية الحديثة والمساجد على طول الطرق المعبدة، لا تزال معظم الشوارع مغطاة بالرمال، ما يمنح العاصمة التي يبلغ عدد سكانها 1.6 مليون نسمة طابع قرية ضخمة ومُرحبة.
ثقافة الإبل
على بعد 30 دقيقة بالسيارة شرق الامتداد العمراني الحديث لنواكشوط، يظهر جانب أكثر تقليدية من البلاد. إذ يوجد في موريتانيا نحو مليوني جمل، واعتمد السكان عليها منذ زمن طويل في كل شيء، من إنتاج اللحوم والحليب إلى النقل، وحتى أفراد الجيش الموريتاني يمتطونها أثناء دوريات مراقبة الحدود في المناطق الصحراوية النائية.
ويُعد سوق الجمال أحادية السنام في بيلا، ثاني أكبر سوق من نوعه في أفريقيا، ووجهة شهيرة لرحلات اليوم الواحد من نواكشوط. وفيه، تُعرض مئات الجمال على المشترين المحتملين، ويدفع الراغبون في الشراء أكثر من ألف دولار للجمل الواحد.
رحلة بالحافلة والتخييم
ابتداءً من سبعينيات القرن الماضي، جرى ربط المناطق النائية في أقصى شرق موريتانيا تدريجياً بالعاصمة الجديدة نواكشوط مع بدء إنشاء طريق الأمل. وبحلول أوائل ثمانينيات القرن الماضي، وصل الطريق إلى مدينة النعمة على بعد نحو 1100 كيلومتر داخل الصحراء. ورغم أنه أصبح اليوم الشريان الرئيسي الذي يربط شرق البلاد بغربها، لا يزال الوصول إلى النعمة من نواكشوط يستغرق أكثر من يوم كامل.
وتُعد النعمة بوابة إلى مدينة ولاتة التاريخية للقوافل، وهي جزء من موقع تراث عالمي لليونسكو يضم أربع مدن موريتانية قديمة أخرى. لذلك، استقليت حافلة من نواكشوط واتجهت شرقاً إلى الصحراء، وكانت الحافلة تتوقف بانتظام حتى يتمكن الركاب المسلمون من أداء الصلاة. وقرب منتصف الليل، توقفنا فجأة في وسط منطقة نائية، وأخبرنا السائق بأن وقت النوم قد حان. وبدلاً من النوم داخل الحافلة، فرش الناس حصائرهم في الصحراء الكبرى ونمنا تحت درب التبانة.
موقع صحراوي لافت
عندما وصلنا أخيراً إلى النعمة، استأجرت مقعداً في سيارة دفع رباعي مشتركة للوصول إلى ولاتة. وبعدما شق السائق طريقه عبر متاهة من المسارات الرملية الصحراوية (وبعد 51 ساعة من انطلاقي من نواكشوط)، وصلت أخيراً إلى ولاتة. وهناك، التقيت على نحو غير متوقع بعمدة المدينة، سيداتي ديه، الذي أخبرني أن السياح كانوا يتدفقون إلى المدينة في طريقهم إلى مالي وتمبكتو، لكن بسبب خطورة عبور الحدود حالياً، لم يعد يزور ولاتة سوى أقل من 30 مسافراً دولياً سنوياً.
وتُعد ولاتة واحدة من أكثر الأماكن لفتاً للانتباه في البلاد، سواء لأهميتها التاريخية أو لعزلتها الجغرافية. وتشتهر المدينة بعمارتها المبنية من التربة الحمراء والمزينة برسوم هندسية دقيقة تنفذها نساء محليات. لكن فرص العمل المتاحة للأجيال الجديدة محدودة، ما يدفع كثيرين إلى الانتقال إلى نواكشوط ومدن أخرى، تاركين هذه المنازل القديمة المذهلة مهجورة جزئياً. ويعتمد بعض آخر على الاقتصاد غير الرسمي، مثل العمل كباعة خبز متنقلين مستخدمين ألواحاً خشبية كمتجر متنقل بالكامل.
نصوص قديمة
في ولاتة، بقيت المخطوطات القديمة القادمة عبر القوافل العابرة للصحراء محفوظة، ليس بفضل المؤسسات أو المكتبات الرسمية، بل لأن العائلات أخفتها وحافظت عليها عبر الأجيال داخل منازلها الخاصة. ولا تزال عائلات كثيرة تحتفظ بهذه الوثائق، وبعد أن سألت عدداً من السكان عمّا إذا كانوا يعرفون أسراً ما زالت تمتلكها، دلوني على هذه العائلة التي رحبت بي في غرفة المعيشة لديها لتعرض عليّ مخطوطاتها القديمة.
مدينة صحراوية عريقة
إلى جانب ولاتة، تُعد شنقيط موقعاً آخر مدرجاً على قائمة اليونسكو للتراث العالمي، وإحدى أعرق مدن القوافل في أفريقيا. لكن أسهل طريقة للوصول إليها تكون انطلاقاً من العاصمة. لذلك، بعد عودتي من ولاتة إلى نواكشوط، استأجرت مقعداً في سيارة دفع رباعي وصعدت نحو هضبة آدرار وباتجاه ممر إبنو، حيث ينتظرني ارتفاع يبلغ 720 متراً ودرجات حرارة أكثر اعتدالاً. وبعد النزول مجدداً إلى الصحراء الصخرية، رأيت المدينة أخيراً ترتفع من بين الرمال.
وتأسست شنقيط في القرن الثامن، وبلغت ذروة مكانتها خلال القرن الثالث عشر كمركز تجاري محصن لقوافل الصحراء التي كانت تنقل الملح والذهب والمخطوطات. لكن بعد أكثر من ألف عام، أصبحت شنقيط اليوم مهددة ببحر الكثبان الرملية المتقدم الذي يبتلعها. وتُبنى المنازل من الحجر والطين المحليين، ما يجعل البلدة تنسجم بسلاسة مع المشهد الصحراوي. وبعض المنازل المهجورة مدفون بالفعل إلى نصفه تحت الكثبان.
ركن مهم في العالم الإسلامي
يُقال إن مئذنة مسجد شنقيط العتيق هي ثاني أقدم مئذنة لا تزال قيد الاستخدام المتواصل في العالم الإسلامي، وغالباً ما تُوصف المدينة بأنها "سابع أقدس مدينة في الإسلام". وابتداءً من القرن الثالث عشر، أصبحت مركزاً رئيسياً للعلوم الإسلامية، إذ كان الحجاج والعلماء يفدون إليها للدراسة. واليوم، لا يمكن للزوار غير المسلمين سوى مشاهدة المسجد من الخارج خلف سور، حيث التُقطت هذه الصورة.
مكتبات عتيقة
تضم شنقيط عدداً من المكتبات التي تحفظ مخطوطات وكتباً قديمة في علم الفلك والهندسة والطب والشعر والفقه الإسلامي. ووصلت كثير من هذه النصوص العتيقة عبر قوافل عابرة للصحراء من شمال أفريقيا، بينما ألّف بعضها علماء محليون. ووفقاً لأمين المكتبة المحلي سيف الإسلام، كانت شنقيط تضم عدداً أكبر بكثير من المكتبات، لكن العديد من العائلات غادرت المدينة مع مرور السنوات حاملة معها كتبها.
وفي عام 2000، وبعد محاولة غير ناجحة لبناء متحف لحفظ أهم الوثائق، قررت الوكالة الإسبانية للتعاون الدولي من أجل التنمية ترميم المكتبات التقليدية داخل قصر يعود إلى العصور الوسطى في شنقيط (القرية المحصّنة)، حفاظاً على النصوص الهشة في المكان نفسه الذي حُفظت فيه لقرون. وعلى عكس مسجد شنقيط العتيق، فإن هذه المكتبات مفتوحة للجميع. ومع قلة الزوار الدوليين، غالباً ما يرحب مالكوها بالزوار مقابل إكرامية بسيطة، ويشرحون لهم التاريخ المحلي أثناء عرض المخطوطات القديمة.
واحة صحراوية
بعد كل هذا التنقل، قررت أن أستريح وأستعيد نشاطي وأتناول التمور في واحة صحراوية قبل مغادرة موريتانيا. ففي أنحاء البلاد الداخلية الشاسعة، تمثل الواحات بقعاً نادرة من الخضرة وسط الألوان الترابية الرتيبة. وتشتهر هذه الواحات بتجمعات أشجار النخيل، وتنمو أحياناً في أعماق الوديان حيث تحتمي من أشعة الشمس.
وينطبق ذلك على واحة ترجيت الواقعة على بُعد 45 كيلومتراً فقط جنوب العاصمة الإقليمية أطار. وتمثل ترجيت، من نواحٍ عديدة، جمال الحياة في الصحراء الكبرى وقدرتها على الصمود، وكذلك موريتانيا بشكل عام. فعلى مدى قرون، وحتى وسط بعض أقسى الظروف على وجه الأرض، استقطبت هذه الأرض المسافرين والعلماء والرحالة لمشاركة القصص والأفكار واكتشاف ركن بعيد من هذه الصحراء الشاسعة.