الخرف: لماذا تتحمّل النساء عبئاً أكبر مع توقّع تضاعف عدد الإصابات بحلول 2050؟

امرأة لم تُذكر هويتها، تعيش مع الخرف، برفقة ابنتها في كافتيريا مستشفى لا هوندا في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا، في 8 ديسمبر/كانون الأول 2010.
التعليق على الصورة، رغم أن الخرف أكثر شيوعاً لدى كبار السن، فإنه ليس نتيجة حتمية للتقدّم في العمر، ولا يقتصر على النسيان.
Published
مدة القراءة: 4 دقائق

قد يرتفع عدد الأشخاص الذين قد يصابون بالخرف حول العالم إلى 24.7 مليون سنوياً بحلول عام 2050، أي أكثر من ضعف العدد المقدّر في عام 2023، وفق دراسة دولية جديدة.

لكن هذا الارتفاع لن يؤثّر على الجميع بالقدر نفسه. فقد وجدت الدراسة أن معدّل الإصابات أعلى لدى النساء، حتى بعد أخذ العمر في الاعتبار.

وإلى جانب إصابتهن بالمرض، تتحمّل النساء معظم أعباء رعاية المصابين به عالمياً.

فلماذا يقع عليهنّ عبء أكبر؟ وما الذي نعرفه عن الأسباب؟

ماذا تقول الدراسة الجديدة؟

حلّلت الدراسة، المنشورة في دورية "جاما لطب الأعصاب" في 12 أكتوبر/تشرين الأول، بيانات أكثر من 38 ألف شخص، ضمن 22 دراسة شملت 18 دولة وإقليماً في ست قارات.

وقدّر الباحثون أن 11.4 مليون شخص أصيبوا بالخرف في عام 2023، وأن العدد قد يصل إلى 24.7 مليون سنوياً بحلول منتصف القرن.

وهذه الأرقام تتعلّق بالإصابات الجديدة كل عام، وليست إجمالي عدد الأشخاص الذين يعيشون مع الخرف، أو عدد الذين سوف يُشخّصون فعلياً على تشخيص.

ويستند التوقّع إلى تطبيق معدّلات الإصابة بحسب العمر والجنس على عدد السكان المتوقع في عام 2050، بافتراض بقاء تلك المعدّلات ثابتة.

لذلك، فإن تضاعف عدد الإصابات لا يعني تضاعف احتمال إصابة كل فرد بالمرض.

ما هو الخرف؟ وهل هو نفسه ألزهايمر؟

غولتن أكبولوت، البالغة من العمر 78 عاماً، بجانب صورة لها في شبابها، خلال تمرين للذاكرة في مركز إرتان أوجار للرعاية النهارية لمرضى ألزهايمر في دوزجه بتركيا، في 19 أبريل/نيسان 2026.

الخرف حالة تؤثّر في الذاكرة والتفكير والقدرة على أداء الأنشطة اليومية، وتنجم عن أمراض أو إصابات تُلحق الضرر بالدماغ.

ويُعد ألزهايمر أكثر أنواع الخرف شيوعاً، إذ يشكل نحو 60 إلى 70 في المئة من الحالات.

لكن هناك أنواعاً أخرى، بينها الخرف الوعائي، الذي ينجم عن تضرّر الدماغ بسبب اضطراب وصول الدم إليه، كما قد يحدث بعد سكتة دماغية، والخرف المصحوب بأجسام ليوي، المرتبط بتراكمات غير طبيعية من البروتين داخل الخلايا العصبية في الدماغ.

ورغم أن الخرف أكثر شيوعاً لدى كبار السن، فإنه ليس نتيجة حتمية للتقدّم في العمر، ولا يقتصر على النسيان.

فقد يؤثّر أيضاً في التواصل واتخاذ القرارات والسلوك، ومع تقدّمه تزداد الحاجة إلى المساعدة في الحياة اليومية.

هل تعيش النساء أطول، ولذلك يُصبن أكثر؟

يسهم طول العمر في تفسير الفارق. فالنساء يعشن، في المتوسط، أعماراً أطول من الرجال، ما يزيد احتمال بلوغهن الأعمار التي يصبح فيها الخرف أكثر شيوعاً.

لكن الدراسة الجديدة تشير إلى أن العمر لا يفسّر الفارق كاملاً.

فبعد مراعاة الاختلافات العمرية، بلغ معدّل الإصابة المقدّر بنحو 10.6 إصابات جديدة سنوياً لكل ألف امرأة، مقابل 8.6 لكل ألف رجل.

ومع ذلك، يشدّد الباحثون على أن دراستهم لا تحدّد سبب ارتفاع المعدّل لدى النساء.

فقد تتداخل عوامل صحية واجتماعية واقتصادية وتعليمية وبيئية، ويحتاج تحديد دور كل منها إلى مزيد من البحث.

ما علاقة التعليم وفرص العمل؟

قد تؤثّر كذلك ظروف الحياة قبل الشيخوخة بعقود في صحة الدماغ لاحقاً.

فالتعليم والأنشطة التي تحفّز التفكير يساعدان على بناء ما يُعرف بـ"الاحتياطي المعرفي"، أي قدرة الدماغ على التعامل مع الضرر قبل أن تظهر أعراضه.

وفي بعض المجتمعات، كانت فرص نساء الأجيال الأكبر سناً في التعليم والعمل التي تتيح التحفيز الذهني أقل، مقارنة برجال من أعمارهن.

وقد يسهم ذلك في تفسير بعض الفوارق، لكنه ليس سبباً مثبتاً للفارق الذي رصدته الدراسة الجديدة، كما أن ظروف النساء تختلف بين البلدان والأجيال.

هل للهرمونات وانقطاع الطمث دور؟

يدرس العلماء احتمال تأثير عوامل بيولوجية في اختلاف خطر الإصابة بألزهايمر بين النساء والرجال، بينها الهرمونات وبعض العوامل الوراثية.

ويتركّز جانب من البحث على تغيّر مستويات هرمون الإستروجين خلال مرحلة انقطاع الطمث، وعلى احتمال اختلاف تأثير بعض المتغيّرات الجينية المرتبطة بألزهايمر بحسب الجنس والعمر.

لكن المسألة لم تُحسم بعد. ولا يمكن اختزال ارتفاع الإصابات لدى النساء في انقطاع الطمث، أو القول إنه يسبّب الخرف.

كذلك، لم تثبت التجارب العشوائية أن العلاج الهرموني يقي من الخرف. ومن المهم التمييز بين نتائج أبحاث تتعلّق بألزهايمر تحديداً، وبين استنتاجات تخص جميع أنواع الخرف.

سيدتان مسنّتان تتشابكان بالأذرع لتسند إحداهما الأخرى أثناء سيرهما في وسط مدينة وندسور، عقب وفاة الملكة إليزابيث الثانية عن عمر ناهز 96 عاماً، في 12 سبتمبر/أيلول 2022، في لندن بإنجلترا.
التعليق على الصورة، تقدّم النساء نحو 70 في المئة من وقتهن لرعاية الأشخاص الذين يعيشون مع الخرف حول العالم، وفق منظمة الصحة العالمية.

لماذا تتحمّل النساء عبئاً أكبر حتى عندما لا يُصبن؟

تقدّم النساء نحو 70 في المئة من وقتهن لرعاية الأشخاص الذين يعيشون مع الخرف حول العالم، وفق منظمة الصحة العالمية.

ومع تقدّم الحالة، قد تشمل الرعاية المساعدة على الاغتسال وارتداء الملابس وتناول الطعام، إلى جانب الإشراف المستمر.

ولا تقتصر تبعات ذلك على الوقت والجهد؛ إذ تؤكّد المنظمة أن الخرف يترك آثاراً نفسية واجتماعية واقتصادية على مقدّمي الرعاية أيضاً.

لذلك، يمكن أن يزيد ارتفاع الإصابات الضغط على النساء بطريقتين: من خلال المرض نفسه، ومن خلال المسؤوليات المترتّبة على رعاية الآخرين.

هل يمكن تخفيف هذا العبء؟

هناك عوامل يمكن التعامل معها لتقليل خطر الخرف، بينها الانتباه إلى ارتفاع ضغط الدم والسكري والتدخين وقلة النشاط البدني والعزلة الاجتماعية وفقدان السمع. لكن الحد من هذه المخاطر لا يضمن منع الإصابة لدى كل شخص.

ويقول الباحثون إن التوقّعات الجديدة تستدعي الاستثمار في الوقاية والتشخيص والعلاج والرعاية، خصوصاً في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، حيث رصدت الدراسة معدّلات إصابة أعلى، وهي بلدان تشيخ بسرعة وغالباً ما تملك موارد أقل، بحسب الباحثين.

وبالنسبة إلى النساء، فإن الاستجابة تتطلّب النظر إلى موقعهنّ على جانبي الرعاية: بوصفهنّ أشخاصاً قد يحتجن إليها، وبوصفهنّ من يقدّمن معظمها.