الحرب في السودان تقضي على 60 في المئة من الغابات

- Author, محمد محمد عثمان
- Role, بي بي سي نيوز عربي – الخرطوم
- مدة القراءة: 5 دقائق
في مطلع شهر يناير/كانون الثاني من عام 2023، كنت برفقة مجموعة من الأصدقاء نقضي وقتاً ممتعاً في المنطقة المعروفة باسم غابة السنط، وهي غابة ضخمة من أشجار السنط تقع على الضفة الشرقية للنيل الأبيض في قلب الخرطوم.
كانت مئات العائلات تتوافد إلى هذا المكان، الذي يعد بمثابة رئة تتنفس بها العاصمة، فتجلس تحت الأشجار الظليلة، بينما يستمتع البعض الآخر بمراقبة الطيور المهاجرة ذات اللون الأبيض التي تأتي سنوياً وتمكث لفترة طويلة.
بعد أشهر قليلة، وتحديداً في منتصف أبريل/نيسان، اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في الخرطوم، فغادر معظم السكان العاصمة، كما هاجرت الطيور أيضاً بسبب الأعمال القتالية في منطقة الغابة.
عدتُ إلى المكان بعد ثلاث سنوات من ذلك التاريخ، وهالني ما رأيت؛ تحولت تلك الغابة الكثيفة إلى مساحة جرداء وقاحلة، بعد أن تعرضت الأشجار لعمليات قطع واسعة من قبل السكان الذين كانوا يبحثون عن الحطب لاستخدامه وقوداً للطبخ، في ظل انعدام غاز الطهي وانقطاع التيار الكهربائي خلال سنوات الحرب.
ولم تكن غابة السنط الوحيدة التي تعرضت للدمار في الخرطوم، فهناك العديد من الغابات المنتشرة في العاصمة التي واجهت المصير نفسه، وإن كان بوتيرة أقل.
وطبقاً لإحصاءات رسمية، توجد 19 غابة في الخرطوم، يقع معظمها على ضفتي النيل، وقد تعرضت هي الأخرى للتدمير بفعل النشاط البشري خلال فترة النزاع المسلح.
أما ولاية سنار، الواقعة في جنوب البلاد والمعروفة بكثافة غاباتها، فقد شهدت تدهوراً كبيراً في الغطاء النباتي نتيجة قطع الأشجار مع لجوء كثير من السكان والنازحين في المنطقة إلى تجارة الفحم لكسب سبل العيش وإعالة أسرهم.
ومن بين هؤلاء آدم إسحق، الذي أكد أنه اضطر إلى قطع الأشجار لصناعة الفحم وبيعه. وقال: "المعيشة صعبة جداً، ما اضطرنا إلى الذهاب إلى الغابة بعد فتحها بواسطة الجيش وقطع الأشجار لتصنيع الفحم بعد حرقها، وهو مصدر رزق لنا".

هزة بيئية عنيفة
تبدو الصورة العامة للغابات في السودان شديدة القتامة بعد ثلاث سنوات من الحرب. فالغابات، التي كانت تغطي نحو 12 في المئة من مساحة البلاد، تقلصت في بعض المناطق بنسبة تصل إلى 60 في المئة من مساحتها الإجمالية، بحسب مسؤولين حكوميين.
ويقول المدير العام للهيئة القومية للغابات، موسى السفوري، لبي بي سي إن أكثر الولايات تأثراً هي الخرطوم والجزيرة وسنار: "في الجزيرة بلغت نسبة التدهور نحو ستين في المائة، وفي سنار ما بين أربعين إلى خمسين في المائة".
صورة مشرقة

ورغم هذه الصورة القاتمة لوضع الغابات والغطاء النباتي في السودان بعد ثلاث سنوات من الحرب، فإن هناك بعض الإشراقات في الخرطوم.
فقد تمكن سكان بعض القرى الواقعة في أقصى شرقي العاصمة من الحفاظ على غابة طبيعية في مناطقهم.
وصلنا إلى المنطقة بعد رحلة بالسيارة استغرقت نحو ساعة، لنجد الغابة، التي تمتد على مساحة تزيد على ستمائة وخمسين فداناً، لا تزال محتفظة بأشجارها.
التقينا بعلي محمد علي، من قرية العالماب، الذي أخبرنا أنه ظل يحرس الغابة طوال سنوات الحرب.
وقال إن أهالي القرية قرروا منع قطع الأشجار حفاظاً عليها، خاصةً أنها تُعد المكان الوحيد الذي ترعى فيه الإبل التابعة لهم.
وأضاف أن الأهالي واجهوا صعوبات كبيرة في سبيل حماية الغابة، لا سيما عندما كانت قوات الدعم السريع تسيطر على المنطقة، حيث حاولت بعض عناصرها قطع الأشجار.
وقال:"نحن نحرسها من أشخاص يأتون بعربات تجرها الحمير لقطع الأشجار. أحياناً يصل عددهم إلى خمسين عربة يومياً، فنُجبرهم على العودة من حيث أتوا، كما منعنا بعض عناصر قوات الدعم السريع من القيام بذلك".

محاولات للتعافي
أحاطت السلطات المختصة موقع غابة السنط في الخرطوم بسياج ترابي، في مسعى لمنع السكان من الدخول وقطع الأشجار، كما نشرت أفراداً للمراقبة والتبليغ عن أي محاولات تسلل.
وعلاوة على ذلك، أصدرت السلطات قوانين تمنع قطع الأشجار، وفرضت عقوبات على المخالفين تشمل السجن والغرامات المالية.
ورغم ذلك، شاهدت عدداً من الأشخاص، من بينهم نساء، يتسللون من الضفة الأخرى لنهر النيل في محاولة لقطع الأشجار.
ويرى المدير العام للغابات، موسى السفوري، أن أفضل وسيلة لمنع التعدي على الغابات هي توفير بدائل للسكان، مثل غاز الطهي أو المواقد المحسنة التي تعمل بالطاقة الحيوية.
ويشرح بالقول: "لدينا تجربة جيدة في ولاية النيل الأبيض، حيث وفرنا المواقد المحسنة للسكان، فبدأ الناس بالاعتماد عليها، مما ساهم في تقليل حوادث الاعتداء على الغابات".
في المقابل، يعمل موظفون وعمال في مقر هيئة الغابات بمنطقة سوبا شرق الخرطوم - الذي تعرض بدوره لدمار كبير- على تجهيز مئات الآلاف من الشتول الزراعية من أصناف مختلفة، تمهيداً لتوزيعها وزراعتها في المناطق التي تضررت جراء قطع الأشجار.

ويقول مدير الغابات بولاية الخرطوم، بابكر أحمد حمد، إن خطة التعافي تعتمد على استهداف المناطق الأكثر تضرراً في المقام الأول، ثم التوسع تدريجياً في بقية المناطق.
"نسعى من خلال خطة التعافي إلى استعادة الغابات المتضررة أولاً، ثم التوسع لاحقاً، ولدينا خطة للتعاون مع المدارس والجامعات، إلى جانب استهداف الساحات العامة في الأحياء السكنية".
مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، لا تبدو هناك مؤشرات على قرب توقفها، في ظل إصرار الأطراف المتقاتلة على إنهائها عبر العمليات العسكرية.
ومع استمرارها لفترة أطول، تتزايد المخاوف من فقدان ما تبقى من الغابات والغطاء النباتي، الأمر الذي يفتح الباب واسعاً أمام تأثيرات بيئية سلبية، مثل ارتفاع درجات الحرارة وزيادة معدلات التصحر، وهو ما يؤدي بدوره إلى تراجع التنوع الحيوي الذي يتميز به السودان.
































