هل تنعكس الضربات الإسرائيلية على لبنان على المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة؟

صدر الصورة، Chris McGrath/Getty Images
بعد يوم دامٍ هو الأعنف في لبنان منذ اندلاع الجولة الحالية من الحرب بين إسرائيل وحزب الله، تتصاعد التساؤلات بشأن إمكان صمود وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران، وسط تباين واضح حول ما إذا كان لبنان مشمولاً بالهدنة.
وليل الأربعاء - الخميس، بدا الاتفاق الذي تم التوصل إليه بوساطة باكستانية في مواجهة اختبار مبكر، مع تهديدات إيرانية باستئناف الأعمال العدائية بعد الضربات الإسرائيلية على لبنان.
ومن المقرر أن يلتقي ممثلو الطرفين، الجمعة، في إسلام آباد، للتفاوض على تسوية أوسع للحرب تتجاوز هدنة الأسبوعين التي أُقرّت في اللحظات الأخيرة قبل انتهاء المهلة التي كان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد حددها لإيران. لكن استمرار الضربات المتبادلة والتضارب بشأن بنود الاتفاق يجعلان فرص تثبيت التهدئة موضع شك.
وحضّ نائب الرئيس الأمريكي جاي دي فانس طهران على عدم السماح بانهيار اتفاق وقف إطلاق النار، وقال إن الولايات المتحدة "لم تقل يوماً إن لبنان جزء من وقف إطلاق النار".
وقال نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده، في مقابلة حصرية مع برنامج "توداي" على بي بي سي، إن الهجمات الإسرائيلية على لبنان يوم الأربعاء شكّلت "انتهاكاً خطيراً" لاتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
وكان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، الذي اضطلع بدور الوسيط، قد أعلن أن وقف إطلاق النار يسري "في كل مكان"، بما في ذلك لبنان، لكن هذا الطرح نفاه ترامب، قبل أن تؤكد المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت أن لبنان سيبقى موضع نقاش بين ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، لكنه "غير مشمول" في هذه المرحلة باتفاق وقف إطلاق النار.
وقال مسؤول أمريكي إن خطة وقف إطلاق النار المؤلفة من عشر نقاط، التي نشرتها إيران، ليست هي نفسها مجموعة الشروط التي وافق عليها البيت الأبيض لوقف الحرب.
وكانت وسائل إعلام إيرانية رسمية قد نشرت بنوداً لخطة من عشر نقاط تتضمن إدراج لبنان في الهدنة، بينما قال الرئيس الإيراني مسعود بيزشكيان إن وقف إطلاق النار في لبنان يمثل "أحد الشروط الأساسية" في الخطة الإيرانية التي تشكل أساس الهدنة مع الولايات المتحدة، وفق ما نقلت عنه وكالة "إيسنا".

صدر الصورة، Dylan COLLINS / AFP via Getty Images
حداد رسمي
وصعّد حزب الله بدوره، معلناً ليل الأربعاء - الخميس إطلاق صواريخ باتجاه إسرائيل رداً على ما وصفه بـ"خرق" اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران.
وقال الحزب، في بيان على تلغرام، إن مقاتليه استهدفوا مستوطنة المنارة "بصلية صاروخية" بعدما التزمت "المقاومة" بوقف إطلاق النار، بينما لم يلتزم به "العدو".
وعلى وقع هذا التصعيد، قال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إن على الولايات المتحدة أن تختار بين "وقف إطلاق النار أو الاستمرار في الحرب عبر إسرائيل"، معتبراً أنه لا يمكنها الجمع بين الأمرين، مضيفاً أن العالم يرى "المجازر في لبنان" وأن الكرة باتت في ملعب واشنطن.
وأعلنت الحكومة اللبنانية، الخميس، يوم حداد وطني على ضحايا الغارات الإسرائيلية. ورحّب الرئيس جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام باتفاق وقف إطلاق النار بين طهران وواشنطن، لكنهما نددا في الوقت نفسه بالغارات الإسرائيلية.
وقال عون إن استمرار "القصف الإسرائيلي الوحشي" وارتكاب "مجازر" أوقعت مئات الضحايا والجرحى يؤكد مضي إسرائيل في عدوانها وتصعيدها الخطير رغم المساعي الدولية لاحتواء التوتر. وقال سلام، من جهته، إن "جميع أصدقاء لبنان مدعوون إلى مساعدتنا على وقف هذه الاعتداءات بكل الوسائل المتاحة".
وشنّت إسرائيل، الأربعاء، عشرات الغارات المتزامنة على مناطق عدة في لبنان، بينها بيروت، في قصف مكثف استمر نحو عشر دقائق، وأسفر، بحسب وزارة الصحة اللبنانية، عن مقتل ما لا يقل عن 203 أشخاص وإصابة أكثر من ألف، في حصيلة رسمية غير نهائية.
وأعلن الجيش الإسرائيلي أنه نفّذ "أكبر ضربة منسقة" ضد حزب الله منذ اندلاع الحرب، قائلاً إنه استهدف "مئات" من عناصر الحزب، بينهم قائد ميداني.
وفي بيروت، بدت آثار الضربات أكثر وضوحاً في المواقع التي استهدفتها الغارات من دون إنذار مسبق. وفي محيط إحدى الغارات الكبرى قرب وسط العاصمة، أمضى عناصر الإنقاذ ساعات في تفتيش المباني المتضررة والبحث بين الركام.
وتحت الأنقاض ظهرت صور لعائلات وقطع ملابس ودفاتر مدرسية غير مكتملة، في مشهد اختصر حجم الدمار الذي أصاب مناطق سكنية مكتظة.
وأفاد مصور لوكالة فرانس برس بأن غارة على مبنى في محلة تلة الخياط أدت إلى انهيار جزء من مبنى سكني وتحول طوابقه إلى ركام متراكم، فيما شوهد شخصان عالقان في طابق علوي، بينما كان رجال الإنقاذ يحاولون الوصول إليهما. كما استهدفت غارة أخرى، قبيل منتصف الليل، الضاحية الجنوبية لبيروت.
وقال ياسر عبد الله، الذي يعمل في متجر للأجهزة الكهربائية قرب أحد المواقع المستهدفة في العاصمة، إنه شاهد إحدى الضربات وكانت "قوية جداً"، مضيفاً أن أطفالاً قتلوا، فيما بُترت أذرع آخرين، بحسب شهادة لوكالة فرانس برس.
وتحدث مراسل بي بي سي مع عبد القادر محفوظ، الذي جاء لزيارة شقيقه المصاب، وقال إن "المدنيين هم من يدفعون الثمن".

صدر الصورة، Fadel ITANI / AFP via Getty Images
تحذيرات دولية
وتقول وزارة الصحة اللبنانية إن الحرب أسفرت حتى الآن عن مقتل أكثر من 1700 شخص، بينهم ما لا يقل عن 130 طفلاً، من دون تمييز بين المدنيين والمقاتلين، فيما تقول إسرائيل إنها قتلت نحو 1100 من مقاتلي حزب الله.
كما أدت المعارك إلى نزوح أكثر من 1.2 مليون شخص، أي ما يعادل نحو خُمس سكان لبنان، ومعظمهم من أبناء الطائفة الشيعية، بينما دُمّرت قرى حدودية بالكامل.
ويأتي هذا التصعيد في سياق حرب أوسع اندلعت بعد أن أطلق حزب الله، في الثاني من آذار/مارس، صواريخ باتجاه إسرائيل، وقال إنها جاءت رداً على مقتل المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران في 28 شباط/فبراير، وكذلك رداً على الهجمات الإسرائيلية شبه اليومية على لبنان التي استمرت رغم اتفاق وقف إطلاق النار المبرم في تشرين الثاني/نوفمبر 2024. ومنذ ذلك الحين، ترد إسرائيل بغارات عنيفة وعمليات برية داخل الأراضي اللبنانية.
وتقول السلطات الإسرائيلية إنها تسعى إلى إنشاء ما تصفه بمنطقة عازلة أمنية لتدمير بنية حزب الله التحتية وإبعاد مقاتليه عن الحدود، ما أثار مخاوف من احتمال بقاء بعض المناطق تحت الاحتلال حتى بعد انتهاء الحرب، ومن تعذر عودة كثير من سكانها.
وتزايدت التحذيرات الدولية من مخاطر انزلاق الوضع نحو مزيد من التدهور. فقد شدد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في اتصالات مع نظيريه الأمريكي دونالد ترامب والإيراني مسعود بيزشكيان، على ضرورة أن يشمل أي اتفاق لوقف إطلاق النار لبنان، معتبراً ذلك "شرطاً أساسياً" لكي يكون الاتفاق "مستداماً".
ودعت وزيرة الداخلية البريطانية إيفيت كوبر إلى إدراج لبنان "على وجه السرعة" ضمن اتفاق وقف إطلاق النار، ووصفت الضربات الإسرائيلية على لبنان يوم الأربعاء بأنها "خاطئة تماماً".
وقالت كوبر، في تصريح لبرنامج "توداي" على إذاعة "بي بي سي راديو 4"، إن لبنان شهد نزوحاً جماعياً للمدنيين وما رافقه من تداعيات إنسانية كبيرة، معتبرة أن التصعيد الحالي "مضرّ" ويجب احتواؤه عبر توسيع نطاق وقف إطلاق النار ليشمل لبنان.
وقال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك إن حجم الضربات الإسرائيلية على لبنان "مروع"، داعياً المجتمع الدولي إلى المساعدة في إنهاء "الكابوس" المتفاقم.
كما حذر الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش من أن الضربات الإسرائيلية المستمرة على لبنان تشكل "خطراً جسيماً" على وقف إطلاق النار، بحسب ما قال الناطق باسمه. ونددت اللجنة الدولية للصليب الأحمر بـ"الموت والدمار" في مناطق مكتظة بالسكان.

































