اقتصاد الهند يتعرض لصدمة نفطية جراء حرب إيران

صدر الصورة، Getty Images
- Author, نيخيل إنامدار
- مدة القراءة: 5 دقائق
قبل وقت قصير، أشاد المصرف المركزي الهندي بمعدلات النمو المرتفعة وتراجع نسبة التضخم في البلاد.
لكن ذلك التفاؤل لم يدم طويلاً، فالحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط، وما رافقها من اضطرابات في سوق النفط، تسببت بصدمة غير متوقعة لمسار نمو الاقتصاد العالمي.
تظهر تلك التداعيات بشكل أوضح على قيمة العملة الهندية، التي سجلت تراجعاً قياسياً، وخسرت 10 في المئة من قيمتها مقابل الدولار الأمريكي مقارنة بقيمتها في العام الماضي.
شهدت العملة الهندية (الروبية) بعض التحسن مع تدخل المصرف المركزي للحد من المضاربات، لكن من المرجح أن يكون ذلك مؤقتاً. ويتوقع العديد من الخبراء تراجعاً كبيراً في المرحلة المقبلة، بناءً على مدة استمرار الحرب الحالية.
ويتمثل السيناريو الأسوأ في استمرار الحرب لفترة أطول خلال عام 2026، ما قد يخلّف تداعيات "كارثية" على العملة الهندية، التي قد تتراجع إلى ما دون 110 أمام الدولار، وفقًا لما صدر عن شركة الأبحاث العالمية "بيرشتاين".
لكن حتى في حال انتهاء الصراع في وقت قريب، فهناك المزيد من المعاناة في المرحلة المقبلة.
فاستمرار ضعف العملة المحلية يمكن أن يؤثر سلباً على مختلف القطاعات، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار بالنسبة للمستهلكين، وانخفاض هوامش أرباح الشركات، واتساع عجز الموازنة الحكومية، وتراجع تدفقات رؤوس الأموال إلى سوق الأسهم.
وتراجعت مؤشرات الأسهم القياسية في الهند بنسبة 12% تقريبًا منذ بداية العام، مع نزوح الأموال الأجنبية، مما أدى إلى تآكل قيمة الثروات.

صدر الصورة، AFP via Getty Images
التوترات الإقليمية بدأت بدورها بالضغط سلباً على التوقعات بشأن التضخم والنمو.
وأعلنت وزارة المالية الهندية في مراجعتها الشهرية الأخيرة أنّ ارتفاع تكاليف الاستيراد والخدمات اللوجستية، واحتمال تراجع التحويلات المالية من عشرة ملايين هندي يعيشون في منطقة الخليج، قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تأثير "كبير" على بعض هذه المؤشرات.
وأضافت أن الصدمات الأخيرة تنتقل عبر " العوامل التي تحدّ من قدرة المنتجين على توفير السلع أو الخدمات في السوق ، مع وجود مؤشرات أولية على بعض التباطؤ في النشاط الاقتصادي".
كان من المتوقع أن يتوسع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% في السنة المالية 2026-2027. لكن الأزمة في الخليج قد تقتطع ما يصل إلى 1% من هذا النمو، وفقاً لشركات وساطة مالية متعددة.
ونظراً إلى أن ذلك يأتي في سياق التخفيضات الأخيرة في الناتج المحلي الإجمالي للهند، فإن طموحات الهند في تجاوز اليابان لتصبح رابع أكبر اقتصاد في العالم ستتأجل بكل تأكيد لفترة أبعد.
وفي ما يخص التضخم، بدأت تكاليف الغذاء في الارتفاع، لكن الصراع لم يتسبب في زيادة أسعار الوقود حتى الآن، بعد أن استوعبت الحكومة صدمة الأسعار. وخفضت الهند رسوم الإنتاج على الوقود والديزل لحماية المستهلكين قبيل انتخابات الولايات الرئيسية، كما فرضت ضرائب استثنائية على الصادرات.
ومع ذلك، فالصدمة في قطاع الطاقة متعددة الأوجه.
تعد الهند ثالث أكبر مستورد للنفط الخام في العالم، لكن 60% من وارداتها من الغاز الطبيعي وأكثر من 90% من وارداتها من الغاز المسال (وهي ثاني أكبر مستهلك له في العالم) تأتي أيضاً من منطقة الشرق الأوسط، الأمر الذي يجعل هذه الأزمة شديدة الخطورة على نيودلهي.
وربع وارداتها من الأسمدة يأتي أيضاً من دول الشرق الأوسط، وقد تشكل اضطرابات الإمدادات مشاكل لاقتصادها الزراعي الواسع.
يقول شيلان شاه ومارك ويليامز من "كابيتال إيكونوميكس": "إنّ القلق الأكبر للاقتصاد الهندي يكمن في النقص الحاد"، وأضافا أن هذه الأزمات "تسببت بالفعل في إغلاق جزئي أو كلي للمطاعم والفنادق، ووردت أنباء عن تأثر مصانع تصنيع الأغذية وصناعة السيراميك وحتى خدمات الجنازات".
يمكن أن تكون النتيجة "صدمة ركود تضخمي ذات حجم كبير جداً" - يرتفع خلالها التضخم ويركد النمو، وفقاً لما قاله المستشار الاقتصادي السابق للحكومة الهندية أرفيند سوبرامانيان، لقناة "إنديا توداي".
وأضاف سوبرامانيان قائلاً إنّ: "جانباً من الركود التضخمي بدأ يظهر بالفعل من خلال إغلاق المطاعم وتناقص كميات الغاز الطبيعي المتاحة للأسر".
وظهرت إشارات أولية لما هو أسوأ، ففي مشاهد تعيد إلى الأذهان بشكل قوي فترات الإغلاق خلال جائحة كوفيد، يبدو أن تضرر إمدادات الغاز المسال يدفع بعودة بعض العمال المهاجرين من المدن الكبرى مثل مومباي.
ويخشى الخبراء الاقتصاديون أن يؤدي ذلك إلى مشاكل في الجانب الخاص بالقدرات الاقتصادية، إذا بدأ النقص في اليد العاملة وبدأت الأجور في الارتفاع.
استجابت الحكومة للأزمة عبر اقتراح "صندوق استقرار اقتصادي" بقيمة 6.2 مليار دولار، وطلبت الموافقات على إنفاق إضافي لدعم الغذاء والأسمدة.
لكن هذه الخطوة مكلفة، فقد جرى توفير هذه الموارد من خلال ترشيد الإنفاق، ومن المحتمل يكون ذلك قد تمّ على حساب المخصصات الموجهة للبنية التحتية للطرق والسكك الحديدية، ومع ذلك فإن هذه الأموال تعد "متواضعة مقارنة بحجم التحدي"، بحسب تقرير مؤسسة "بيرنشتاين".

صدر الصورة، AFP via Getty Images
في ظل الغموض المحيط بموعد انتهاء الصراع، وبحجم تأثيره، من المرجح أن يبقي البنك المركزي على أسعار الفائدة ثابتة عند إعلان قراره في وقت لاحق من الأسبوع الجاري.
وقالت وكالة "كير إيدج" للتصنيفات الائتمانية: "إنّ استراتيجية 'الانتظار والمراقبة' ستمكن المصرف المركزي الهندي من الحفاظ على المرونة لتقييم المخاطر الناشئة على ديناميكيات النمو والتضخم، واتخاذ قرار مدروس بشأن الإجراءات المستقبلية المتعلقة بأسعار الفائدة".
ووسط هذه التحديات، لا يزال هناك أمل للتفاؤل.
ويرى الخبراء أنّ انخفاض قيمة العملة المحلية في الهند، قد يساهم في تعزيز تنافسية الصادرات الهندية. وبالمقارنة مع الأزمات السابقة، فإن غطاء النقد الأجنبي المريح لدى نيودلهي يمنحها مساحة كافية لتجاوز الأزمة.
ولكن، كما حفزت التعريفات الجمركية التي فرضها ترامب الحكومة على إجراء إصلاحات تجارية، يقول سوبرامانيان إنّ هذه الأزمة تمثل "صحوة" للهند لبناء استراتيجية فورية وطويلة الأمد، لمعالجة نقاط الضعف في قطاع الطاقة لديها.
ويشمل ذلك توسيع المخزونات الاستراتيجية، وتنويع الاحتياطيات، وعلى المدى الأطول، تسريع الانتقال إلى الطاقة المتجددة.

































