ما تعلمته عندما توقفت عن تناول السكر لستة أسابيع

مكعبات سكر لونها أبيض داخل صحن صغير بتدرجات الألوان الزهري والأبيض وبجانبه ورقتا شجر لونهما أخضر وثلاث مكعبات سكر بيضاء من الجانب الآخر وقرب الصحن كأس زجاجي يبدو أنه يحتوي على الشاي. الأرضية يميل لونها إلى الخمري.

صدر الصورة، Getty Images

    • Author, ميليسا هوغنبوم
  • مدة القراءة: 8 دقائق

تنتشر الأطعمة التي تحتوي على سكر مضاف في كل مكان، حتى في أماكن غير متوقعة. فإلى أي حد يمكن الاستغناء عن السكر، وما التأثير الذي قد يتركه ذلك على صحتك؟

بالرغم من حرصي على اتباع نظام غذائي صحي يعتمد إلى حد كبير على الطهي المنزلي، فإن حبي للحلويات يجعلني أميل إلى تناول قطعة أو قطعتين من الشوكولاتة يومياً.

ويُعدّ الإفراط في استهلاك السكر أمراً شائعاً في الأنماط الغذائية المعاصرة، إذ يضر بالأسنان ويؤثر سلباً في الصحة، كما تشير بعض الأدلة إلى احتمال ارتباطه بتراجع معرفي على المدى الطويل.

وبحكم عملي في مجال إعداد تقارير الصحة والعافية، تصاعدت مخاوفي من الإفراط في تناول الحلويات، التي غالباً ما تحتوي على مكونات مضافة متعددة، إلى جانب السكر المكرر. وفي الواقع فإن إحدى الوجبات الخفيفة التي أتناولها بانتظام تتجاوز وحدها نصف الكمية اليومية الموصى بها من السكر.

وتوصي الإرشادات الغذائية في الولايات المتحدة باستهلاك أقل من 12 ملعقة صغيرة من السكر المضاف من الطعام والمشروبات (نحو 50 غراماً)، بينما توصي هيئة الخدمات الصحية الوطنية في المملكة المتحدة باستهلاك أقل من 7 ملاعق صغيرة (30 غراماً) من السكريات يومياً.

وتشير بيانات المسح الوطني الأمريكي لفحص الصحة والتغذية إلى أن البالغين في الولايات المتحدة يستهلكون ما بين 16 و17 ملعقة صغيرة من السكر يومياً (نحو 65 إلى 70 غراماً). وللتوضيح، فإن أربعة غرامات تقريباً تعادل ملعقة صغيرة واحدة من السكر.

لم يكن التخلّي عن هذا القدر من السكر أمراً سهلاً، لكنني قررت أن أختبر قدرتي على كسر هذه العادة اليومية. فوضعت لنفسي تحدياً بالامتناع عن جميع الأطعمة التي تحتوي على سكر مكرر مضاف لمدة ستة أسابيع، مع استبعاد العسل وعصائر الفاكهة أيضاً، مقابل الاستمرار في تناول السكريات الطبيعية الموجودة في الفاكهة الكاملة، إضافة إلى الكربوهيدرات المعقدة التي يحوّلها الجسم أثناء الهضم إلى غلوكوز، المصدر الأساسي للطاقة للجسم والدماغ.

لاحظتُ منذ البداية بعض التغيّرات المفاجئة في مستوى طاقتي ومزاجي. إذ اختفى الشعور بالخمول الذي كان يراودني بعد تناول الغداء، إلا أنني كثيراً ما وجدت نفسي أحدّق بلا مبالاة في الثلاجة في بحث عبثي عن شيءٍ لذيذ وحلو، وكأنني أفتقد شيئاً مهماً.

السكر في كل مكان

تخطى يستحق الانتباه وواصل القراءة
قناتنا الرسمية على واتساب

تابعوا التغطية الشاملة من بي بي سي نيوز عربي

اضغط هنا

يستحق الانتباه نهاية

أولاً، من المهم أن نتأمل حجم السكر المضاف إلى الأطعمة التي نتناولها. وجدتُ أن تجنّبه كان أصعب مما توقعت. أثناء تجوالي بين رفوف المتجر المحلي، لاحظت وجوده في أطعمة لم أكن أتوقعها، بما في ذلك شطيرة من خبز العجين المخمّر من قسم الأطعمة الجاهزة، التي كانت تحتوي على 5.7 غرام من السكر، ووجبة جاهزة من معكرونة باللحم المفروم وصلصة الطماطم (9 غرامات).

كما تحتوي العديد من حبوب الإفطار على سكريات مضافة، في حين أن شريحة واحدة من الخبز الشائع في السوبرماركت تحتوي على نحو 1.2 غرام من السكر.

ويُعدّ السكر مكوّناً شائعاً في العديد من الأطعمة فائقة المعالجة، التي ترتبط بآثار صحية ضارة معروفة، وغالباً ما تكون فقيرة بالعناصر الغذائية مقارنة بالأطعمة الكاملة مثل الفواكه والخضروات والحبوب الكاملة.

"تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة السكرية ترتبط بارتفاع الضغط النفسي، بما في ذلك أعراض القلق والاكتئاب"

تتعدد أشكال السكر في غذائنا، ويُعدّ الجلوكوز الأكثر شيوعاً بينها، إلى جانب الفركتوز الموجود في الفواكه والعديد من أنواع الشراب، واللاكتوز في الحليب، إضافة إلى السكروز المعروف بسكر المائدة، الذي يُعد من أبرز مصادر السكر المضاف في نظامنا الغذائي.

كما تُوجد السكريات الحرة في العصائر والشراب والعسل، كونها لا تكون مرتبطة ببنية خلايا الطعام. وتُسهم هذه السكريات الحرة المكررة بدرجة كبيرة في الآثار الصحية السلبية.

توضح أستاذة علم النفس في جامعة ميشيغان، آشلي جيرهارت أننا "نولد ولنا ميل طبيعي إلى الطعم الحلو، إذ يُعد جزءاً من حليب الأم في الأيام الأولى، وهي مرحلة يُفترض أن يكتسب فيها الطفل وزناً". وتضيف أن الإشكال يتمثل في أننا "أصبحنا بارعين للغاية في توفير المذاق الحلو بكلفة منخفضة جداً".

ماذا يفعل السكر بنا؟

تشير الأبحاث إلى أن تناول الأطعمة الغنية بالسكريات يرفع مستويات السكر في الدم بسرعة. ورغم أن هذه العملية طبيعية بعد تناول الطعام، إلا أن تكرارها قد يؤدي إلى مقاومة الأنسولين، مما يعني زيادة خطر الإصابة بداء السكري من النوع الثاني.

كما ترتبط الأنظمة الغذائية الغنية بالسكريات بتسوس الأسنان، والالتهابات، والسمنة، ومرض الزهايمر، والسرطان.

تقول جيرهاردت إن "الأمراض المرتبطة بالنظام الغذائي مثل السكري أصبحت تودي بحياة الناس أكثر من الكحول والمواد الأفيونية، كما أن [الأطعمة غير الصحية] تنافس التبغ باعتبارها أكثر المواد فتكاً في العالم".

على سبيل المثال وُجد أن السكر يزيد من تراكم الدهون في الكبد. وفي إحدى التجارب السريرية العشوائية المضبوطة، أظهر الأشخاص الذين تناولوا مشروبات غنية بالسكر لعدة أسابيع تضاعف كمية الدهون في أكبادهم تقريباً، حتى مع تساوي إجمالي السعرات الحرارية المستهلكة.

ويشرح المؤلف المشارك في التجربة والخبير البارز في أضرار السكر، روبرت لوستيج، أن الفركتوز الموجود في شراب الذرة يُعد ساماً للميتوكوندريا، وهي الأجزاء داخل الخلايا المسؤولة عن تشغيل الجسم والحفاظ على نشاطه.

ويضيف: "يُعطّل الفركتوز الميتوكوندريا ويقلل من استهلاك الطاقة، ما يدفع الجسم إلى إنتاج ميتوكوندريا جديدة". لافتاً إلى أن ذلك قد يؤدي إلى الشعور بالإرهاق والتعب والعصبية وزيادة الضبابية الذهنية.

وقد لاحظتُ شخصياً أن مستوى طاقتي ظل مستقراً خلال اليوم مع مرور أسابيع من الامتناع عن السكر.

ثلاث حبات تفاح فوق بعضها البعض، الأولى تبدو صفراء والثانية باللونين الأحمر والأصفر والثالثة لونها أحمر. على أرضية وخلفية ينعكس عليهما الضوء ويميل لونهما إلى السكري.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، ترتبط السكريات الموجودة في الفواكه الكاملة، مثل التفاح، ببنيتها الداخلية، ما يعني أن الجسم يحتاج إلى جهد أكبر لاستخلاصها والاستفادة منها.

تشير الأبحاث الحديثة أيضاً إلى أن الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة السكرية ترتبط بزيادة الاضطرابات النفسية، بما في ذلك أعراض القلق والاكتئاب.

على الرغم من أن هذه النتائج قد تبدو مقلقة، فإن استهلاك السكر ضمن حدود معتدلة في إطار نظام غذائي صحي لا يُشكل مشكلة، ولكن من الواضح أن تقليله سيفيد صحة الملايين الذين يتناولون الكثير منه.

خصائص الإدمان

في الأيام الأولى من الامتناع عن السكر، واجهتُ رغبة قوية في تناوله، خصوصاً عند تقديم الحلويات الشهية في المناسبات الاجتماعية.

وهناك سبب بيولوجي لذلك، فعند تناول السكر، قد يُغير كيمياء الدماغ بطريقة تُحاكي ما يحدث عند إدمان المواد الأفيونية، كما توضح لينا بغداش، أخصائية التغذية المعتمدة والأستاذة المشاركة في الصحة وجودة الحياة في جامعة بينغهامتون في الولايات المتحدة.

كما أن تناول الأطعمة السكرية ينشّط نظام المكافأة في الدماغ. وتشير الأبحاث إلى أن الأشخاص الذين يعانون من رغبة أقوى في تناول الأطعمة السكرية قد يُظهرون أيضاَ زيادة أكبر في هرمون الدوبامين المسؤول عن الشعور بالسعادة عند استهلاكها، ما يعني أننا نشعر بالمتعة والمكافأة عند تناول الأطعمة الحلوة.

ولذلك يرى عدد كبير من الخبراء أن للسكر خصائص قد تكون إدمانية، رغم أن هذا الطرح لا يزال موضع نقاش علمي مستمر.

وتشير جيرهاردت إلى أن الأطعمة الحلوة طبيعياً، مثل الفاكهة، قد تصبح أقل تحفيزاً لنظام الدوبامين في الدماغ.

في الواقع، كلما زادت الرغبة في تناول السكر، زاد الشعور بالمتعة عند تناوله، مما يعزز هذه الحلقة وقد يعيد برمجة الدماغ لتتوق إلى المزيد منه.

على سبيل المثال، أصبحت أدمغة المشاركين الذين تناولوا حلوى غنية بالسكر والدهون يومياً لمدة ثمانية أسابيع أكثر استجابة للأطعمة السكرية بشكل ملحوظ.

وتُسهم حلقة التغذية الراجعة، المرتبطة بالدوبامين في تفسير صعوبة خفض استهلاك السكر. ويقول لوستيج: "أنت خاضع لكيمياء جسمك، وهذا هو جوهر الإدمان. نحو 20 في المئة من سكان الولايات المتحدة يعانون من إدمان السكر".

وجدتُ بدائل مُرضية لمقاومة الرغبة [بالأطعمة الحلوة] مثل مخفوق الموز والتوت مع ملعقة من مسحوق الكاكاو. كان للعنب تأثير مماثل. حتى التفاح كان مذاقه أحلى، لذا حتى لو لم أشتهيه، كنتُ أتناول واحدة يومياً، مما ساعدني على كبح جماح الرغبة الشديدة.

تشير الأدلة أيضاً إلى أن الأفراد يشعرون بجوع أكبر بعد الانخفاض السريع في مستوى السكر في الدم، وهو نمط شائع بعد تناول الأطعمة الغنية بالسكر.

ووجدت إحدى الدراسات أن المشاركين الذين شربوا مخفوق حليب يحتوي على نسبة عالية من السكر المركز والنشويات المكررة (أي ذو مؤشر سكري مرتفع)، شعروا بجوع أكبر بعد أربع ساعات، كما أظهروا نشاطاً أعلى في مركز المكافأة في الدماغ، مقارنة بمن تناولوا مخفوقاً ذا مؤشر سكري منخفض.

ما الذي يحدث عند التوقف عن تناول السكر؟

بعد أيام من التوقف عن تناول السكر، يبدأ الجسم في توقع كميات أقل منه، بحسب ما أوضحت أخصائية التغذية من كلية الطب في جامعة ستانفورد في كاليفورنيا داليا بيرلمان.

وتضيف أن براعم التذوق تبدأ في التغير لتصبح أكثر حساسية للطعم الحلو.

وتشير جيرهاردت إلى أن التوقف عن الأطعمة المُحلّاة صناعياً يتيح لنظام التذوق أن "يعيد ضبط نفسه ليتوافق مع شدة الحلاوة الطبيعية".

وبعد نحو ثلاثة أسابيع من التجربة، بدأ أمر لافت يحدث: لم أعد أشتهي الحلويات بشكل منتظم. وإذا شعرت بجوع خفيف في فترة ما بعد الظهر، وجدت نفسي أتناول بدائل أكثر صحة مثل الزيتون والمكسرات والفواكه.

وتوضح بغداش أن أحد أسباب تراجع الرغبة في السكر هو ببساطة تقليل التعرض له، مما يؤدي بدوره إلى تغيير الذوق وإعادة ضبط عملية الأيض.

وتضيف بيرلمان: " ستلاحظ أن مستوى الإحساس بطعم السكر لديك ينخفض كثيراً، بحيث لن تحتاج إلى كميات كبيرة منه". وهي لا تتناول حالياً إلا الكعك المنزلي منخفض السكر، لأنها ترى أن أي منتجات جاهزة من المتجر تبدو لها وكأنها "تأكل مكعب سكر".

بينما تقول بغداش إن مستويات الدهون الثلاثية في الجسم وهي نوع شائع من الدهون يرتفع عند تناول سعرات حرارية زائدة ستنخفض أيضاً. كما ستتحسن حساسية الأنسولين، مع تقليل الارتفاعات المفاجئة في الأنسولين التي تحدث استجابة للأطعمة السكرية. "الأمر أشبه بإعادة ضبط الجهاز إلى حالته الطبيعية".

ثلاث أعواد من المثلجات لونها برتقالي على خلفية سكرية اللون.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، قد يؤدي السكر المضاف في العديد من الحلويات إلى الدخول في "حلقة من الإدمان".

أظهرت تجربة صغيرة أن للأنظمة الغذائية منخفضة السكر فوائد صحية إضافية، إذ طُلب من مجموعة تتكون من 41 طفلاً الامتناع عن السكريات المضافة لمدة 10 أيام فقط، بعدها شهدوا انخفاضاً في ضغط الدم ونسبة الدهون في الجسم، إلى جانب تراجع مقاومة الأنسولين وتحسن في السلوك.

وأظهرت أبحاث أخرى تناولت الأطعمة شديدة المعالجة، التي غالباً ما تكون غنية بالسكر، أنه عندما يستهلك الناس أطعمة أقل معالجة، تنخفض لديهم الرغبة في تناول الطعام ويزداد مستوى الطاقة لديهم.

بعد أن لاحظت تأثير السكر على جسمي، أصبح تغيير عادتي أسهل بكثير، إذ لم تعد الحلويات مغرية بالنسبة لي. كما تمكنت من تقليل تناولها في المنزل، مع الحرص على توفر وجبات خفيفة صحية بدلاً منها. واستبدلت العصائر بالماء الغازي مع قليل من عصير الليمون، فوجدت أنه يروي عطشي بشكل جيد.

إعادة إدخال السكر

مع نهاية الأسابيع الستة، يمكنني القول بثقة إنني لم أشعر برغبة قوية في إعادة إدخال السكر إلى نظامي الغذائي. وأخبرتني بغداش أن ذلك يعني أن "حلقة الإدمان" في دماغي قد تكون توقفت.

لم أعد أشعر برغبة يومية في تناول الوجبات السكرية الخفيفة، كما أصبحت الأطعمة التي تحتوي على سكر مضاف، بما في ذلك حبوب الإفطار منخفضة السكر، شديدة الحلاوة بالنسبة لي. وتقول بيرلمان إن هذا التغيير سيجعل من السهل عليّ تجنب العودة إلى تناول الحلويات بشكل يومي.

والآن وقد انتهت تجربتي التي استمرت ستة أسابيع، هل سأعود إلى تناول الحلويات؟ باختصار، لا. لكنني أخطط لإجراء بعض التغييرات.

بدلاً من الامتناع التام عن السكر المضاف، سيقتصر المنع على أيام الأسبوع فقط، وسأسمح لنفسي بالاستمتاع بقطعة حلوى في عطلة نهاية الأسبوع. كما أنني أعيد النظر في طريقة تفكيري بالأطعمة السكرية من الأساس.

وعندما عدتُ أخيراً إلى تناول السكر، جربت كعكة رقائق الشوكولاتة الثلاثية (28 غراماً من السكر في كل كعكة)، ولم أشعر برغبة في تناولها إطلاقاً. أجبرت نفسي على تناولها لأجل هذه المقالة لأرى كيف سيتفاعل جسمي.

كان طعمها شديد الحلاوة، وشعرت بطعم السكر أكثر من الشوكولاتة. شعرتُ أيضاً بانخفاض حاد في الطاقة بعد ذلك بفترة وجيزة، وأخذت قيلولة في منتصف الظهيرة، وهو أمر لم يكن ليتحقق لولا إجازتي السنوية.

لم تعد تلك الحلوى التي اعتدتُ تناولها بانتظام متعة بالنسبة لي. توقفتُ عن تناولها بعد بضع لقيمات.