محادثات لبنان وإسرائيل في روما: لماذا انتقلت من واشنطن؟ وما أبرز ملفاتها؟

ندى حمادة، سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة، خلال اجتماع بين الوفدين الإسرائيلي واللبناني استضافته الولايات المتحدة في مقر وزارة الخارجية في واشنطن العاصمة، في 2 يونيو/حزيران 2026

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، ندى حمادة، سفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة، خلال اجتماع بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي استضافته وزارة الخارجية الأمريكية في واشنطن، في 2 يونيو/حزيران الماضي
Published
مدة القراءة: 7 دقائق

للمرة الأولى منذ انطلاق المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في أبريل/نيسان، يلتقي وفدا البلدين خارج واشنطن.

وتستضيف روما، اليوم وغداً، الجولة السادسة من المفاوضات التي ترعاها الولايات المتحدة، في محاولة للانتقال من المبادئ الواردة في "اتفاق الإطار"، الموقّع في 26 يونيو/حزيران الماضي، إلى خطوات قابلة للتنفيذ على الأرض.

وبحسب مسؤول لبناني تحدث إلى وكالة فرانس برس، انطلقت الاجتماعات عند السّاعة العاشرة صباحاً بالتوقيت المحلي، وتستمر يومين في مقر السفارة الأمريكية في روما.

وتجري المفاوضات على مستوى السفراء. ووفق تقارير صحفية، يضم الوفد اللبناني السفير السابق سيمون كرم، وسفيرة لبنان لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، والعميد المتقاعد زياد هيكل، بصفته مستشاراً للرئيس جوزاف عون.

ويمثل إسرائيل سفيرها لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، فيما يشارك عن الجانب الأمريكي المسؤول في وزارة الخارجية دان هولر.

ندى حمادة معوض ويحيئيل لايتر ودان هولر خلال توقيع "اتفاق الإطار"

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، ندى حمادة معوض ويحيئيل لايتر ودان هولر خلال توقيع "اتفاق الإطار"

لماذا روما؟

سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في روما.

صدر الصورة، Getty Images

التعليق على الصورة، مبنى السفارة الأمريكية في العاصمة الإيطالية روما.

لا يوجد حتى الآن تفسير رسمي موحّد لانتقال المفاوضات من واشنطن، حيث عقدت الجولات الخمس السابقة، إلى العاصمة الإيطالية روما.

وكانت إيطاليا قد عرضت منذ أبريل/نيسان استضافة المحادثات. وقال وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني إن بلاده أبدت استعدادها لدعم الحوار المباشر بين لبنان وإسرائيل واستضافة المفاوضات، قبل أن ترحب بانعقاد الجولة الجديدة في روما.

وترتبط إيطاليا بعلاقات عسكرية وثيقة مع لبنان، إذ تشارك في قوة الأمم المتحدة المؤقتة في جنوب لبنان "يونيفيل"، وتدير بعثة عسكرية ثنائية لتدريب الجيش اللبناني، كما تقود اللجنة العسكرية التقنية من أجل لبنان، وهي مبادرة متعددة الأطراف لدعم قدرات الجيش. وكانت الخارجية الإيطالية قد أعلنت أن روما تسعى إلى تشجيع حوار مباشر بين لبنان وإسرائيل يفضي إلى سلام دائم.

تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

لكن التقارير الصحفية قدمت روايات مختلفة بشأن الجهة التي اقترحت نقل المحادثات.

فقد نقلت "المؤسسة اللبنانية للإرسال" عن مصدر دبلوماسي قوله إن الولايات المتحدة اقترحت نقل المفاوضات إلى روما، في إطار نهج تتبعه أحياناً، يقوم على إطلاق المسارات التفاوضية من مقر وزارة الخارجية الأمريكية قبل نقلها إلى عاصمة أوروبية. وربط المصدر اختيار روما بعلاقات إيطاليا الوثيقة بلبنان والجيش اللبناني.

في المقابل، أفادت تقارير لبنانية بأن نقل الجولة جاء بناء على اقتراح إسرائيلي. ونقلت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" عن مصدر دبلوماسي لبناني قوله إن إسرائيل سارعت إلى قبول روما مكاناً للمحادثات، في محاولة لتخفيف الضغط الذي واجهته خلال مفاوضات واشنطن. ولم يصدر تأكيد رسمي لهذه الرواية. وأضاف المصدر أن الوفد اللبناني تلقى ضمانات بأن تحافظ واشنطن على مستوى انخراطها نفسه في إدارة المفاوضات.

وذكرت صحيفة "ذا ناشيونال" أن لبنان رفض في البداية نقل المحادثات إلى روما، بعدما أعلنت إسرائيل موعد الجولة ومكانها قبل إبلاغ السلطات اللبنانية رسمياً. ثم وافقت بيروت على المشاركة عقب تلقيها دعوة أمريكية رسمية والتوصل إلى تفاهم مع الجانب الأمريكي.

ولم تقدم المصادر تفسيراً حاسماً لاختيار روما، لكنها أشارت إلى اعتبارات لوجستية محتملة، من بينها قرب الوفدين من بلديهما، بما يتيح إجراء مشاورات أسرع مع الحكومتين، وسهولة التنسيق مع المسؤولين الأمريكيين بسبب فارق التوقيت.

ولا يعني انتقال المحادثات إلى روما تغيير الجهة الوسيطة، إذ تبقى المفاوضات ثلاثية وتُعقد برعاية أمريكية، بينما تؤدي إيطاليا دور الدولة المضيفة.

قصر ملكي

تقول التقارير إن الاجتماعات ستنعقد في السفارة الأمريكية في روما، التي تأخذ من "قصر مارغريتا" في شارع فيا فينيتو وسط العاصمة الإيطالية مقراً لها.

وشيّد القصر بين عامي 1886 و1890، بتصميم المهندس الإيطالي غايتانو كوخ، ليكون مقراً للأمير رودولفو بونكومباني لودوفيزي، قبل أن تشتريه أسرة سافوي الملكية عام 1900.

واكتسب المبنى اسمه من الملكة مارغريتا، والدة الملك فيكتور إيمانويل الثالث، التي أقامت فيه حتى وفاتها عام 1926. وأصبح مقراً للسفارة الأمريكية عام 1931، قبل أن تشتريه الحكومة الأمريكية عام 1946.

موكب يقل وفداً يصل إلى السفارة الأمريكية في روما، في 14 يوليو/تموز 2026، في اليوم الأول من المحادثات بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي

صدر الصورة، AFP via Getty Images

التعليق على الصورة، وفد يصل إلى السفارة الأمريكية في روما اليوم مع انطلاق المحادثات

ما البنود على طاولة البحث؟

مجسمان للعلمَين اللبناني والإسرائيلي عند نصب تذكاري قرب الحدود، فيما تظهر بلدة المطلة الإسرائيلية في الخلفية.

صدر الصورة، Reuters

التعليق على الصورة، مجسمان للعلمَين اللبناني والإسرائيلي قرب الحدود بين البلدين.

تختلف هذه الجولة عن سابقاتها في أن المفاوضات تنتقل من بحث المبادئ العامة إلى مناقشة كيفية تطبيق "اتفاق الإطار" الذي وقعه لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة في واشنطن في 26 يونيو/حزيران.

وينص الاتفاق وملحقه الأمني، اللذان لم يُنشرا رسمياً، على عملية متدرجة ومشروطة. ويتولى الجيش اللبناني خلالها تفكيك البنية العسكرية للجماعات المسلحة غير التابعة للدولة ونزع سلاحها في المناطق المحددة، قبل أن تتحقق جهة ثالثة متفق عليها من تنفيذ هذه الخطوات. وبعد ذلك، يتولى الجيش المسؤولية الأمنية الكاملة، بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي تدريجي.

ويحدد الاتفاق منطقتين أوليتين في جنوب لبنان لتطبيق هذه الآلية. ويتولى الجيش اللبناني فيهما المسؤولية الأمنية الحصرية، على أن تقود الدولة لاحقاً جهود إعادة الإعمار بدعم دولي، ضمن آلية تنفيذ وتحقق تدعمها الولايات المتحدة.

لكن الاتفاق لا يتضمن جدولاً زمنياً معلناً للانسحاب. كما لم تُنشر رسمياً خريطة المنطقتين، ولا التفاصيل الكاملة للآلية التي ستحدد ترتيب الخطوات وتوقيتها.

وقال السفير الإسرائيلي لدى الولايات المتحدة يحيئيل لايتر، قبيل الجولة، إن الوفود ستضم فرقاً متخصصة لمعالجة الملفات المختلفة، مشيراً إلى استمرار نقاط خلاف تتطلب مزيداً من العمل قبل التوصل إلى اتفاق شامل.

ومن المتوقع أن تبحث الجولة إنشاء آليات متخصصة لمتابعة التنفيذ، تشمل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار الجيش اللبناني، والتحقق من الترتيبات الأمنية، وعودة النازحين وإعادة الإعمار.

أما التفاصيل العسكرية الميدانية المتعلقة بإطلاق العمل في المناطق التجريبية، فتُبحث بالتوازي في بيروت بين قيادة الجيش اللبناني ووفد عسكري من القيادة المركزية الأمريكية. ووفق تقارير صحفية، لا يشارك وفد عسكري لبناني في اجتماعات روما، إذ تتركز المباحثات العسكرية التقنية في بيروت.

ماذا يريد لبنان؟

أعلنت الرئاسة اللبنانية أن الرئيس جوزاف عون وجّه الوفد إلى المطالبة بالبدء الفوري بانسحاب القوات الإسرائيلية من المنطقتين التجريبيتين "قبل أي بحث آخر".

وقال عون إنه يأمل أن تؤدي اجتماعات روما إلى "خطوات ملموسة وعملية على الأرض"، تبدأ بانسحاب إسرائيل وانتشار الجيش اللبناني في المناطق التي تخليها.

ويريد لبنان أيضاً، وفق ما نقلته تقارير عن مصادر قريبة من المفاوضات:

  • تثبيت وقف إطلاق النار ووقف الغارات وعمليات التفجير والتجريف الإسرائيلية.
  • تحديد جدول زمني واضح لبدء الانسحاب، بدلاً من الاكتفاء بتعهد عام بانسحاب تدريجي.
  • انتشار الجيش في الأراضي التي تنسحب منها إسرائيل، وعودة النازحين إليها.
  • بدء إزالة الأنقاض وإصلاح البنى التحتية وإطلاق عملية إعادة الإعمار.

وكان لبنان قد لوّح في البداية بعدم المشاركة ما لم تبدأ إسرائيل الانسحاب قبل الجولة، لكنه قرر الحضور مع إبقاء الانسحاب في صدارة مطالبه.

ماذا تريد إسرائيل؟

تتمسك إسرائيل بأن يكون أي انسحاب مرتبطاً بخطوات يمكن التحقق منها لنزع سلاح حزب الله والجماعات المسلحة الأخرى، وتفكيك منشآتها، وتولي الجيش اللبناني السيطرة الأمنية الفعلية.

وينص اتفاق الإطار على نزع سلاح الجماعات غير التابعة للدولة في جميع أنحاء لبنان، وليس الجنوب فقط. وتقول إسرائيل إن إنهاء التهديد الذي يمثله حزب الله، إلى جانب ترتيبات أمنية إضافية، سيُنهي الحاجة إلى وجود قواتها أو تنفيذ عمليات عسكرية داخل لبنان.

كما تقول إن أولويتها هي ضمان أمن بلدات شمال إسرائيل ومنع حزب الله من إعادة بناء وجوده العسكري قرب الحدود.

ونقلت صحيفة الشرق الأوسط السعودية عن مصدر لم تكشف اسمه، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يعارض تزامن الانسحاب الإسرائيلي مع انتشار الجيش اللبناني، ويريد أن يثبت الجيش قدرته على السيطرة في بلدات غير خاضعة للاحتلال قبل الانتقال إلى مناطق أخرى. ولم يصدر تأكيد رسمي إسرائيلي لهذه الرواية.

وهنا تكمن العقدة الأساسية: لبنان يريد أن ينسحب الجيش الإسرائيلي كي يتمكن جيشه من الانتشار، بينما تريد إسرائيل التحقق أولاً من قدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة ونزع السلاح قبل استكمال انسحابها.

ولا يشارك حزب الله في المفاوضات، وقد رفض اتفاق الإطار ووصفه أمينه العام نعيم قاسم بأنه "باطل" ويمثل استسلاماً لإسرائيل، منتقداً ربط الانسحاب بنزع سلاح الحزب.

وعملياً، سيقاس نجاح جولة روما بقدرتها على حسم ثلاثة أمور: أين تبدأ المنطقة التجريبية الأولى، ومتى يبدأ الانسحاب الإسرائيلي، وما الترتيب الذي يحكم انسحاب القوات الإسرائيلية وانتشار الجيش اللبناني ونزع السلاح.

أما إذا انتهت من دون جدول زمني أو آلية تنفيذ، فستكون المفاوضات قد انتقلت من واشنطن إلى روما، من دون أن تنتقل بعد من الاتفاق على الورق إلى وقائع على الأرض.