حمل زائف واختطاف رضيعة... قصة امرأة دفعها حلم الأمومة إلى الجريمة

صدر الصورة، Netflix
- Author, إيما جونز
- Published
- مدة القراءة: 7 دقائق
يتناول الفيلم الوثائقي الدرامي الجديد "طفل من صُلبي" (A Child of My Own) قضية شهيرة هزّت المكسيك، بعدما لجأت شابة إلى خطوة يائسة لتحقيق حلمها بأن تصبح أماً.
في 17 يونيو/حزيران 2009، خرجت امرأة تبلغ من العمر 26 عاماً من مستشفى في مكسيكو سيتي، تحمل حقيبة هدايا بداخلها رضيعة حديثة الولادة. لكن المرأة، إليونور أليخاندرا مارين ميندوزا، لم تكن أم الطفلة.
تحذير: يتضمن هذا المقال إشارات متكررة إلى الإجهاض التلقائي (سقوط الحمل).
وبعد ساعات، ألقت الشرطة القبض على ميندوزا وزوجها أرتورو في أحد النُزل، وأُعيدت الرضيعة، كاتيا فالنتينا، سالمة إلى والديها.
وحُكم على ميندوزا بالسجن 13 عاماً بتهمة الاختطاف. وأثارت قضيتها اهتماماً إعلامياً واسعاً في المكسيك، بعدما تبيّن أنها زعمت أنها حامل طوال تسعة أشهر، ونجحت في إقناع زوجها وعائلتها وأطبائها بأن حملها حقيقي.
ويستكشف فيلم "طفل من صُلبي"، الذي يبدأ عرضه على نتفليكس يوم الخميس، الضغوط الاجتماعية والنفسية التي دفعت ميندوزا إلى السعي لأن تصبح أماً.
ولا يروي الفيلم هذه القصة المثيرة بأسلوب أفلام الجرائم الحقيقية التقليدية، بل يقدمها في قالب دراما وثائقية سينمائية. ويعتمد نصفه الأول على إعادة تمثيل لرواية ميندوزا للأحداث، قبل أن تظهر ميندوزا الحقيقية، المعروفة باسم "ألي"، في النصف الثاني من داخل السجن، إلى جانب أشخاص آخرين ارتبطوا بالقضية، ولقطات إخبارية من تلك الفترة.
تحتوي هذه الصفحة على محتوى من موقع Google YouTube. موافقتكم مطلوبة قبل عرض أي مواد لأنها قد تتضمن ملفات ارتباط (كوكيز) وغيرها من الأدوات التقنية. قد تفضلون الاطلاع على سياسة ملفات الارتباط الخاصة بموقع Google YouTube وسياسة الخصوصية قبل الموافقة. لعرض المحتوى، اختر "موافقة وإكمال"
نهاية YouTube مشاركة
تقول ميندوزا لمخرجة الفيلم، مايتي ألبيردي: "كنت أشعر كأنني أعيش في عالم آخر. وفي أحيان كثيرة، أردت أن أقول: هذا ليس حقيقياً، أو هذا لا يحدث فعلاً، لكنني لم أستطع".
وكانت تتحدث عن مشهد يعيد تمثيل حفل أقيم لها عام 2009 احتفاءً بقرب ولادتها، وتجسد شخصيتها فيه الممثلة المكسيكية آنا سيليست مونتالفو. وتظهر ميندوزا ببطن يوحي بأنها في مرحلة متقدمة من الحمل، فيما يحتفل بها أصدقاؤها وأفراد عائلتها بالكعك والهدايا والبالونات.
وتقر ميندوزا بأن مشاعرها كانت متناقضة في ذلك اليوم. فمن جهة، تقول: "شعرت بأنني مميزة جداً"، ومن جهة أخرى، تضيف: "كنت أتمنى أن يأتي أحد ويفجّر فقاعة الأكاذيب تلك".
فانتازيا وردية
شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك
الحلقات
البودكاست نهاية
وتروي المخرجة التشيلية مايتي ألبيردي، المرشحة مرتين لجائزة الأوسكار عن فئة أفضل فيلم وثائقي، رواية ميندوزا للأحداث في قالب أشبه بحكاية خيالية، تبدأ بزواجها من أرتورو عام 2000.
وتغلب على المشاهد ألوان الباستيل الهادئة، من الوردي والأصفر والأزرق، فيما تتحرك الكاميرا بصورة ناعمة وضبابية. وفي غرفة الانتظار بعيادة الولادة، تبرز صورة لأم سعيدة تحتضن طفلها. وتظهر ميندوزا دائماً بدرجات مختلفة من اللون الوردي، بينما يُروى هذا الجزء من القصة من وجهة نظرها وبصوتها.
وتقول ألبيردي لبي بي سي: "قدّمت هذه المشاهد كما لو كانت حكاية خيالية، لأنها تعبّر عن حلم ميندوزا بالطريقة التي كانت تتمنى أن تعيش بها هذه التجربة، أو عن الطريقة التي تروي بها القصة لنفسها".
وتضيف: "إنها رؤيتها الذاتية للواقع. بالغنا في هذا العالم الوردي، جزئياً لأن عالمها الحقيقي وردي جداً أيضاً. وكما يكشف الفيلم، فهي تحب هذا اللون. وأردنا أن يعكس ذلك حلمها بالزواج والطفل".
ويبدو أن الرغبة في الأمومة شكّلت ضغطاً ثقيلاً على ميندوزا منذ سن مبكرة. فقد تزوجت وهي في السابعة عشرة وكانت حاملاً آنذاك، لكنها فقدت حملها، ثم تعرضت لإجهاض ثانٍ. أما الإجهاض الثالث فأخفته، خوفاً من رد فعل زوجها وعائلته.
وقالت ميندوزا للشرطة إنها التقت بعد ذلك في عيادة الولادة بامرأة حامل تدعى مايرا، لم تكن ترغب في الاحتفاظ بطفلها. وبحسب روايتها، أقنعتها بإتمام الحمل ثم تسليمها المولود بعد الولادة.
وخلال تلك الفترة، كانت ميندوزا تتناول كميات كبيرة من الوجبات السريعة كي يبدو بطنها وكأنها حامل. وارتفع وزنها من 54 كيلوغراماً إلى أكثر من 89 كيلوغراماً. وبحكم عملها في قسم أمراض النساء والتوليد في المستشفى، عدّلت أيضاً بياناتها الطبية.
وتقول ميندوزا إن مايرا، بعد الولادة، تركت رضيعتها وقالت إنها ستغادر المستشفى. وعندها، أصيبت ميندوزا بالذعر، فوضعت الطفلة في الحقيبة وغادرت بها، قبل أن تقدمها إلى زوجها أرتورو الذي فوجئ بها.
وظل أرتورو يؤكد، شأنه شأن زوجته، أنه لم يكتشف أن حملها كان مزيفاً إلا عندما أحضرت إليه الطفلة المختطفة.

صدر الصورة، Netflix
تقول ألبيردي إنها التقت ميندوزا في أحد سجون المكسيك، وهناك يلتقي بها المشاهد أيضاً، داخل زنزانة يغلب عليها اللون الوردي، بينما كانت تقضي الأسابيع الأخيرة من عقوبتها البالغة 13 عاماً.
كما تتحدث ألبيردي إلى أرتورو، الذي أمضى عامين رهن الاحتجاز خلال تحقيق الشرطة في قضية الاختطاف، قبل أن تبرئه المحكمة لاحقاً من أي صلة بها.
ولعرض الرواية الأخرى، تجري ألبيردي مقابلة مع مايرا نافارو فيغا، والدة الطفلة المختطفة، التي ترفض بشدة رواية ميندوزا للأحداث. وقالت مايرا في إفادتها أمام المحكمة إنها ذهبت إلى حمام المستشفى، وعندما عادت وجدت طفلتها قد اختفت.
وتنفي مايرا أن يكون هناك أي اتفاق بينها وبين ميندوزا، وتشير إلى أنها كانت تراجع عيادة ولادة مختلفة ولم تلتقِ ميندوزا من قبل، إلى أن ظهرت، بحسب روايتها، في جناح المستشفى مدعية أنها عاملة اجتماعية.
وتقول مايرا عن ميندوزا في الفيلم: "لا أشعر بأي تعاطف معها. هي لم تشعر بأي تعاطف عندما سرقت طفلتي".
أسئلة تتجاوز حدود الجريمة
وتقول ألبيردي إن تناولها للقضية لم يقتصر على تفاصيل الجريمة، بل سعت من خلاله إلى النظر في الضغوط الاجتماعية الأوسع المرتبطة بالأمومة. وتقول: "لماذا قد تشعر امرأة بأنها مضطرة إلى ادعاء الحمل؟ بالطبع ارتكبت أليخاندرا جريمة وكان عليها أن تدخل السجن. لكنها في الوقت نفسه ضحية للنظام وضحية لعائلتها. ومن الواضح بالنسبة إليّ أن هذه الضغوط استمرت سنوات".
وفي رواية ميندوزا للأحداث، حمّلها زوجها وعائلته مسؤولية حالات الإجهاض التي تعرضت لها، لأنها واصلت العمل أثناء الحمل، وهو ما اعتبروه تقصيراً في "العناية بنفسها". كما يظهر بوضوح أن زوجها لم يكن يرغب في طفل بيولوجي فحسب، بل كان يريد ابناً تحديداً.
وتقول القاضية التي نظرت في القضية، في مقابلة مع ألبيردي، إن شهادة ميندوزا تضمنت ذكريات عن عائلة زوجها وهم يقولون لها عبارات من قبيل: "لا قيمة لك كامرأة إذا لم تتمكني من الإنجاب".
وتقول ميندوزا في الفيلم: "شعرت بأنني تحت ضغط لإرضاء عائلته. كانت رغبتي في أن أصبح أماً قوية إلى درجة أنني تورطت في مشكلات راحت تكبر شيئاً فشيئاً، وبدأت أتخذ قرارات وأقوم بأفعال تزداد تعقيداً، إلى أن وصلت إلى نقطة لم يعد هناك منها مخرج أو مجال للتراجع".
وتعرض الدراما واقعة حقيقية لافتة، إذ وافق طبيب في المستشفى على منح ميندوزا إجازة أمومة بعدما قال إنه رصد نبض جنين أثناء فحصها، رغم أنها كانت تدّعي الحمل. وفي الفيلم، تدفعها هذه الحادثة إلى التساؤل بقلق: "هل كنت قد حملت من جديد؟"
وتقول ألبيردي: "أعتقد أن أليخاندرا بدأت بكذبة، لكنها لم تتخيل إلى أي مدى قد تقودها. ربما كانت تظن أنها ستقول لاحقاً إنها أجهضت، أو أن الطبيب الذي وافق على إجازة الأمومة سيكتشف الحقيقة، وعندها سيتوقف كل شيء".
وتضيف: "لكن حتى القاضية التي نظرت في القضية قالت إن النظام خذلها. فقد تعرضت لثلاث حالات إجهاض من دون أن تحصل على أي دعم نفسي. لقد دفعت ثمن جريمتها بالسجن، وكانت تدرك أن عليها تحمّل العقوبة. لكن السؤال بالنسبة إليّ هو: هل أوفى المجتمع بما عليه تجاهها؟ وهل لبّى النظام احتياجاتها النفسية فعلاً؟ أعتقد أن المشكلة تتجاوز نظام العدالة، وتكمن أيضاً في مجتمع لا ينتبه إلى مثل هذه الحالات".

صدر الصورة، Netflix
تظهر في الفيلم أيضاً الدكتورة نورما روميرو سانشيز، اختصاصية علم النفس الشرعي التي قيّمت حالة ميندوزا بعد توقيفها. وخلصت إلى أن الضغط المرتبط بالإنجاب أسهم في ترسيخ العالم المتخيّل الذي عاشت فيه ميندوزا.
وتقول لبي بي سي: "كانت تعتقد أن اكتمالها كامرأة يتطلب أن تصبح أماً. وفي المكسيك وأمريكا اللاتينية، تتعرض النساء لضغوط نفسية واجتماعية كبيرة للإنجاب. وكانت ميندوزا تعاني أيضاً من حالة جسدية تسببت في تكرار حالات الإجهاض، من دون أن تحصل على تفسير طبي متخصص لأسباب ذلك. لذلك لجأت إلى الخيال كوسيلة دفاع نفسي في مواجهة واقع مؤلم جداً".
لكن روميرو سانشيز تضيف أن السمات النفسية الخاصة بميندوزا هي التي دفعت هذا الادعاء إلى تلك المرحلة.
وتقول: "لم تكن تملك أدوات كافية لمواجهة الضغوط، ويرتبط ذلك جزئياً بصغر سنها وبسمات في شخصيتها جعلتها غير قادرة على الدفاع عن نفسها. كما كانت تميل إلى الانفصال النفسي، ليس عن الواقع فقط، بل عن هويتها أيضاً. ويظهر ذلك في الفيلم عندما يقول الطبيب إنه رصد نبض جنين، فتبدأ هي نفسها لاحقاً في التساؤل عما إذا كانت حاملاً فعلاً".
ترى روميرو سانشيز أن حصول ميندوزا على دعم نفسي متخصص كان يمكن أن يحدث فرقاً، لكنها تؤكد أن تغيير التوقعات الاجتماعية المرتبطة بالأمومة ضروري أيضاً.
وتقول: "نحتاج إلى كثير من العمل لكسر الصور النمطية المرتبطة بالأمومة وبمعنى أن تكوني امرأة. فالنساء يُسألن باستمرار: هل لديك أطفال؟ كم عددهم؟ ولماذا لم تنجبي بعد؟ نحتاج إلى التوعية لتفكيك هذه الوصمات المرتبطة بالنوع الاجتماعي".
وعندما تخرج ميندوزا من السجن عام 2023، يبدو أن نظرتها إلى نفسها قد تغيرت. وتقول أمام الكاميرا إنها أمضت سنوات في السجن تحاول التعايش مع فكرة أنها لن تصبح أماً.
وتضيف: "كانت رغبتي في الأمومة مرتبطة أكثر بإرضاء الآخرين، لأنني كنت أظن: ماذا يبقى للمرأة غير أن تصبح أماً؟ لكنني أدركت أخيراً أن في الحياة أشياء كثيرة أخرى تستحق أن نعيش من أجلها".
يبدأ عرض فيلم "طفل من صُلبي" على نتفليكس في 13 أغسطس/آب 2026.




























