تحت حرارة تصل إلى 50 درجة... رحلة تهريب الوقود الإيراني إلى باكستان

رجل يقود دراجته النارية الصغيرة - وجهه مموه - وعلى متنها حاويات مملوءة بالوقود مثبتة في الخلف على طريق واسع في منطقة شبه ريفية، مع جبال أمامه وبعض المركبات.
التعليق على الصورة، خلال رحلاته لتهريب الوقود عبر بلوشستان، يواجه مزار (في الصورة) درجات حرارة تصل إلى 50 درجة مئوية، ومخاطر اشتعال شحناته وحتى انفجارها.
    • Author, بي بي سي الخدمة العالمية
  • Published
  • مدة القراءة: 6 دقائق

تحمل دراجة مزار النارية الصغيرة عدداً كبيراً من العبوات البلاستيكية المملوءة بالبنزين، إلى درجة أنه بالكاد يجد مكاناً يجلس فيه.

وتحمل دراجته المتهالكة خمس عبوات، سعة كل منها 70 لتراً، ويبلغ وزنها الإجمالي نحو 272 كيلوغراماً.

وتتدلى عبوات الوقود من جانبي الدراجة على نحو خطر، مثبتة بالحبال والخيوط.

اشترى مزار الوقود من سوق مكشوفة في مستونغ، في بلوشستان، كبرى مقاطعات باكستان وأكثرها فقراً، حيث يعيش.

وتصل إلى السوق شاحنات صغيرة محملة بالعبوات البلاستيكية لبيع الوقود، بعدما هربته عبر الحدود من إيران.

ويجري تهريب المشتقات النفطية من إيران إلى باكستان بصورة غير قانونية منذ عقود، لكن مؤشرات تدل على ازدياد هذه العمليات خلال الأشهر الأخيرة بسبب الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

وأدى الاضطراب الشديد في تدفق النفط عبر مضيق هرمز بسبب الحرب إلى ارتفاع أسعار الوقود، ما عزز الطلب في باكستان على البنزين والديزل الإيرانيين المهربين والأقل سعراً.

وكحال آلاف المهربين في بلوشستان، ينقل مزار، وهو اسم مستعار استخدمناه حفاظاً على سلامته، الوقود إلى أسواق مكشوفة أخرى ومحطات تعبئة غير رسمية.

ويستعد لقطع مسافة 218 ميلاً عبر واحدة من أشد مناطق العالم حراً، لنقل الوقود إلى مقاطعة السند المجاورة.

وقد تصل درجات الحرارة في بلوشستان إلى 50 درجة مئوية، ما يؤدي إلى تمدد عبوات الوقود البلاستيكية وليونتها.

وإذا تشققت العبوات أو تسرب الوقود من أغطيتها أثناء قيادة مزار، فقد يشتعل الوقود أو ينفجر. ويلقى مهربون حتفهم بهذه الطريقة بصورة متكررة.

رجال يثبتون الحبال والخيوط على حاويات وقود زرقاء كبيرة. يحيط به عدد من الدراجات النارية، في باحة أرضها رملية وفي جو شبه صحراوي وتظهر جبال في الخلفية.
التعليق على الصورة، يأتي السائقون إلى أسواق مفتوحة مثل هذا السوق في ماستونغ، حيث يشترون الوقود الإيراني المُهرّب قبل نقله إلى مناطق أعمق داخل باكستان.
تخطى البودكاست وواصل القراءة
يستحق الانتباه

شرح معمق لأبرز الأحداث والموضوعات، لمساعدتك على فهم أهم المتغيرات حولك وأثرها على حياتك

الحلقات

البودكاست نهاية

وهناك مخاطر أخرى أيضاً.

فمنذ عقود، تشهد بلوشستان اشتباكات بين القوات الباكستانية وجماعات انفصالية مسلحة تطالب بمزيد من الحكم الذاتي. ويقول ناشطون إن آلاف الأشخاص اختفوا في خضم هذا الصراع.

ويقول مزار لبي بي سي وورلد سيرفس: "نقوم بهذا العمل لأنه لا خيار آخر أمامنا".

ويضيف: "الطقس حار والأسعار مرتفعة، ونمضي أيامنا وليالينا على الطرق".

ولا يعرف الحجم الدقيق لعمليات التهريب، لكن موقع "نيكي آسيا" الإخباري الياباني أفاد عام 2024 بأن تقريراً مسرباً أعدته أجهزة الاستخبارات الباكستانية قدر قيمة الوقود المهرب سنوياً من إيران إلى باكستان بنحو مليار دولار، أي 745 مليون جنيه إسترليني.

وفي أيار (مايو) من هذا العام، قالت مصافي النفط الخمس الكبرى في باكستان إن تدفق المشتقات النفطية عبر الحدود يتزايد، ووجهت رسالة إلى الحكومة طالبتها فيها بالتدخل.

وفي الشهر الجاري، كتب المجلس الاستشاري لشركات النفط، الذي يمثل قطاع النفط الباكستاني، إلى الحكومة قائلاً إن المبيعات الرسمية للمشتقات النفطية هبطت إلى أدنى مستوى لها في هذا الوقت من العام منذ 27 عاماً، ويرجع ذلك جزئياً إلى ازدياد تهريب الوقود.

رجل يرتدي زيا أصفر اللون، وجهه مموّه يقود دراجة نارية محملة بعبوات بلاستيك
التعليق على الصورة، مزار هو المعيل الرئيسي لعائلة كبيرة تضم طفله وإخوته. كان يعمل مزارعاً قبل أن يتوقف بسبب الجفاف.

مزار، الذي يقترب من الأربعين، هو المعيل الرئيسي لأسرة كبيرة تضم طفله الوحيد وعدداً من إخوته.

ويقول إنه بدأ العمل في تهريب الوقود قبل ثلاثة أو أربعة أشهر، بعدما حال الجفاف دون استمراره في الزراعة.

وهو واحد من نحو 2.4 مليون شخص في بلوشستان يقدر أنهم يعملون في تهريب الوقود بين إيران وباكستان، بحسب تقرير الاستخبارات الباكستانية المسرب الذي اطلع عليه موقع "نيكي آسيا".

ويعد تهريب الوقود غير قانوني في باكستان، وتتراوح عقوباته بين الغرامات ومصادرة المركبات في الحالات الصغيرة، والسجن في العمليات الأكبر حجماً.

لكن فدا حسين دشتي، الرئيس السابق لغرفة التجارة والصناعة في كويتا ببلوشستان، يرى أن هذه التجارة حيوية لاقتصاد المنطقة في ظل ندرة فرص العمل.

خريطة تظهر إقليم بلوشستان باللون الأبيض وحوله باكستان وإيران وأفغانستان

وتقع بلوشستان على الحدود مع إيران غرباً وأفغانستان شمالاً، وتشكل نحو 44 في المئة من مساحة باكستان، لكن ستة في المئة فقط من سكان البلاد يعيشون فيها.

وعلى الرغم من غناها بالثروات المعدنية، تسجل بلوشستان معدلات فقر تماثل تلك المسجلة في بعض أفقر مناطق العالم، ما أثار غضباً واسعاً في المنطقة.

ويقول دشتي: "الناس عاجزون ولا سبيل آخر أمامهم"، مشيراً إلى أن الحكومة الباكستانية كان عليها بذل المزيد لتوفير فرص العمل في المنطقة.

ويضيف: "حتى الطالب الذي يتخرج حاملاً درجة الماجستير ينتهي به الأمر إلى العمل في تجارة الوقود".

أما عرفان، الذي غيرنا اسمه أيضاً حفاظاً على سلامته، فيقول إنه لا يستطيع العمل في مجال آخر بسبب إعاقته.

فبعد إصابته بشلل الأطفال، أصبحت حركة إحدى ساقيه وإحدى يديه محدودة للغاية.

ويعمل عرفان أيضاً في التهريب منذ عدة أشهر.

لكنه ينقل الديزل لأنه أكثر أماناً من البنزين وأقل قابلية للاشتعال.

ويقول: "لا أستطيع نقل البنزين، فماذا لو اشتعل؟ إذا لم أتمكن من الوقوف، فسأصاب بحروق خطيرة".

عرفان، بملابس زرقاء وجهه مموه، يشير بيده إلى خصره يقف بجانب دراجة نارية محملة بعبوات بلاستيك وخلفه شاحنة
التعليق على الصورة، لا يستطيع عرفان تحريك يده ورجله بشكل جيّد منذ إصابته بشلل الأطفال ولا يجد عملاً سوى في مجال التهريب

وتحيط بعمليات التهريب حسابات سياسية معقدة، ولا سيما أن باكستان تؤدي دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، في مسعى للتوصل إلى نهاية دائمة للأعمال العدائية.

وشنت باكستان في مراحل مختلفة حملات على هذه التجارة غير القانونية، لكن معدلات التهريب كانت تعاود الارتفاع.

ويصعب وقف التهريب كلياً، لأن مراقبة المناطق النائية من الحدود، التي تمتد على مسافة 900 كيلومتر، ليست سهلة.

وتدرك الحكومة الباكستانية أيضاً أن هذا العمل يمثل شريان حياة لكثيرين في بلوشستان.

ولا توصل شركات النفط الوقود إلى بعض مناطق المقاطعة بسبب تكاليف النقل والمخاوف الأمنية والمنافسة مع المنتجات المهربة الأقل سعراً.

وتحمل إيران جماعات إجرامية مسؤولية التهريب. وتستطيع هذه الجماعات شراء الوقود بأسعار منخفضة، لأن السلطات الإيرانية تبيع البنزين والديزل للمواطنين بأسعار مدعومة.

لكن بادي جين، من "المبادرة العالمية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية"، التي تراقب الأسواق غير المشروعة، يقول: "نعتقد أن المهربين الرئيسيين إما جزء من الحرس الثوري الإيراني أو تربطهم به صلات وثيقة".

ويضيف أن هدفهم هو "بالطبع الالتفاف على العقوبات التي تفرضها الولايات المتحدة".

ويرى جين أن جماعات مرتبطة بالسلطات الإيرانية تحاول الآن تهريب كميات أكبر من الوقود للاستفادة من ارتفاع الأسعار الناجم عن الحرب.

وطلبت بي بي سي من الحكومة الإيرانية التعليق على الاتهامات المتعلقة بضلوعها في تهريب الوقود، لكنها لم تتلق رداً.

"بدأت الحرب فخسرنا كل شيء"

شاحنة بيك آب زرقاء تحمل حاويات من الوقود. خلفها مركبات أخرى، وتظهر الجبال في الخلفية.

قال عدد من المهربين لبي بي سي إن مسؤولين وأفراداً من قوات الأمن في باكستان يغضون الطرف عن عمليات التهريب مقابل رشاوى.

وتنفي الحكومة الباكستانية ضلوع أي من مؤسساتها أو قواتها الأمنية في تهريب الوقود.

وتقول إن رئيس الوزراء شهباز شريف أصدر توجيهات إلى أجهزة إنفاذ القانون بتشديد حملتها على التهريب، وإن قوات الأمن صادرت خلال العام الماضي وقوداً قيمته نحو 1.3 مليار روبية باكستانية، أي قرابة خمسة ملايين دولار.

ويقول مزار إن الحرب رفعت تكاليف عمله.

فقد ارتفع السعر الذي يدفعه لشراء البنزين المهرب، بينما ظل سعر بيعه كما هو.

وبعد خصم تكاليف الوقود والطعام واستئجار الدراجة، كان صافي دخله اليومي يبلغ خمسة آلاف روبية، أي 13 جنيهاً إسترلينياً، لكنه انخفض إلى ثلاثة آلاف روبية، أي ثمانية جنيهات إسترلينية، وهو نحو ضعفي الحد الأدنى للأجور في باكستان.

ويقول: "بدأت الحرب فخسرنا كل شيء".

وأثناء مغادرة مزار ومجموعة تضم 11 سائق دراجة نارية منطقة مستونغ في بلوشستان في طريقهم إلى ديارهم، ضربتهم عاصفة حرارية، وهي موجة حر ممتدة مصحوبة بعواصف ترابية.

وعندما سئل مزار عن مخاطر الإصابة أو الموت، قال: "لا أقلق بشأن ذلك".

وأضاف: "لا بد أن أموت يوماً ما. قد أموت الآن، فمن يدري؟ ذلك قرار الله، إن كان سيبقيني حياً أو يتوفاني".